حل المشكلات الأسرية من خلال سورة يوسُف

المؤتمر التربوي الأول في جمعية بيادر السلام النسائية، الكويت.

تحت شعار: التحديات التربوية بين طموح الآباء وواقع الأبناء

المحور الأول: منطلقات التربية في القرآن والسنة

البحث: مرونة المنهج التربوي الإسلامي وواقعيته(تحقيق شعار الندوة ومحور البحث من خلال تربية الأسرة بسورة يوسف)

تقديم الباحث: م. محمد نور بن عبد الحفيظ سويد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي علم الإنسان بالقلم، والصلاة والسلام على النبي الأمي الذي أرسله الله رحمة للعالمين؛ الكبير والصغير، والإنس والجن؛ والسابق واللاحق، والحيوان والجماد،، وبعد:

ملخص البحث وتمهيده:

نستعرض التربية الأسرية ومشاكلها وحلولها من خلال سورة يوسف، والتي يتجلى فيها الواقعية من خلال أسرة نبوية، تظهر فيها مرونة المعالجة للأخطاء التي تعترض أفراد الأسرة، ونرى طموح الآباء، وصعود وانحطاط بعض الأبناء، ونرى المحن والفتن التي تعترض الأسرة، كما نرى النصر والجلوس على سدة الحكم بكل تواضع، ونرى كيف تهتز أسرة العزيز بالحب الهادر وفي مقابل ذلك نرى الطهر الكامل، ونرى التربية القرآنية تعرض المشهد بلا تهييج للقارئ في أدق الأمور الجنسية بين الجنسين، فلا تتحرك المشاعر الهابطة، وإنما تتفاعل المشاعر العليا في الاستماع وقراءة القصة، وتلك من معجزة القصص القرآني، ونرى حسد الأخوة وغيرة الكبار من الصغار، وارتكابهم خطأ كبيراً في رمي أخيهم الصغير في الجب للتخلص منه، ونرى عفو الصغير عنهم في كبره بِعزِّهِ وجاهه وسلطانه، فلا ينتقم لنفسه فيعفو ويصفح، مقتدياً بوالده الذي عفى عن إخوته قبلاً، وهكذا يظهر الحق بعد حياة مريرة للأسرة، وتستقر عندما يعرف كل أخ فضل أخيه، ويبتعد الكبار عن حسد الصغار، ويتعرفون إلى أن سبب ذلك نزغ الشيطان بينهم، إلى غير ذلك من المواقف التي نستعرضها على وجه الإجمال فيما يلي:

 

عند قراءة سورة يوسف قراءة تربوية نستلهم النقاط التربوية العملية التالية تحقيقاً لقوله تعالى:

– في بداية السورة: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ(7)

– وفي نهايتها: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(111). وهكذا ينسجم بداية السورة مع ختامها، في أخذ العبر والعظات الاعتقادية والتربوية، وإليك بعضاً منها:

1- تسلية وتثبيت قلب سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المؤمنين، الذي لم يكن يعرف عن يعقوب ويوسف شيئاً، والمعروضان في التوراة باللغة السريانية، لذا جاء التأكيد بنزول القرآن عربياً، لإظهار معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بأنه يوحى إليه، ولتعلم العرب قاطبة كيف تتنزل القصص الإيمانية بلغتهم، مع عجزهم على المحاكاة للقرآن: ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ(3) سورة يوسف.

أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونهـا بالعربية لأهل الإسلام فقال رسـول الله صلى الله عليه وسلم “لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله“.

وفي هذا دليل أن المسلم يؤمن بما أنزل الله لا بما هو موجود بين أيديهم من الكتب.

قال القرطبي في تفسيره: روي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة.

وقال سعد بن أبي وقاص: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زماناً فقالوا: لو قصصت علينا؛ فنزل:”نحن نقص عليك” [يوسف: 3] فتلاه عليهم زمانا فقالوا: لو حدثتنا؛ فأنزل: “الله نزل أحسن الحديث” [الزمر: 23]. قال العلماء: وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة، وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر، ولا على معارضة غير المتكرر، والإعجاز لمن تأمل. انتهى.

أي إن القرآن تحدى العرب على محاكاته أو أن يأتوا بمثله سواء بعرض قصة كاملة لا تنكرر نحو سورة يوسف، أو بذكر مقاطع من القصة، وإعادة التذكير بها في موطن آخر، وهذا التحدي باق إلى يوم القيامة.

وقد يقول قائل: إن كل كلام لا يكون مثل الآخر، فالتحدي غير صحيح؟

والجواب: إن تذوق الكلام والبيان يعرفه أهله، فالعرب الأقحاح لم يقبلوا التحدي بدء، وكذلك من بعدهم حتى تاريخه، رجل أمي بسيط يتحدى العالم والتاريخ، ولا أحد يقبل التحدي، أليس ذلك من إعجاز القرآن!!.

إن أي علم أو رياضة عندما يعلن صاحبها التحدي، فبسرعة البرق يجد من يعلن لمنازلته، إلا منازلة القرآن لم يعلن فيها أحد، ولم يتقدم للمنازلة فيها أحد، فلماذا ينكر المعترض إعجاز القرآن إلا عناداً وبهتاناً.

ثم إن القرآن ضم في جنباته مواضيع مختلفة، منها في التاريخ السحيق، ثم في الفلك والسموات، ثم في الأرض والبحار والجبال، ثم في خلق الإنسان، ثم في أنواع التشريع المختلفة، ثم في النبواءات المختلفة المستقبلية، ثم في حقائق الكون، فأي بشر يستطيع فعل ذلك؟ إن كنت تعرفه فدلني عليه.

إن هناك من اشتهر بالشعر كالمتنبي، وهناك من اشتهر بالفلسفة كأفلاطون،  ولكن لم نجد رجلاً في التاريخ تقد م بكتاب يحوي علوم السابقين واللاحقين والسموات والأرضين، والتشريع والعقيدة والسلم والحرب والعلاقات الدولية وغيرها مثل القرآن!!  أليس ذلك دليل إعجازه.

ويكرر ملحدوا العصر ما سبق قوله من ملحدي أسلافهم كما أخبر القرآن: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً) ويأتي الجواب الإلهي بأن من يأتي بهذه الأخبار والحقائق يحتاج إلى العلم: (قل أنزله الذي يعلم ما في السموات والأرض).

فالقرآن حقائق خالدة، صحح كتب التاريخ، وأزال الأساطير التي كانت سائدة، والتي يبحث عنها المعاصرون الملحدون تحت ما يسمى بعلم الآثار الذي هو ظن الظني فيعتربون تفسيرهم لقطعة حجرية حقيقة عقدية أو حقيقة فلسفية، وما هي إلا خداع ووهم يتبعون فيها أسلافهم.

وبذلك يتعلم الطفل المسلم قصص الأنبياء والرسل الواقعية، بعيداً عن الخرافة والأساطير التي تعرض الآن في الرائي تحت مسمى (أفلام كرتون)، ويكون الطفل المسلم الوحيد – من بين أطفال العالم- الذي يتعلم قصص الأنبياء والرسل بشكلها الصحيح والسليم، فيتعلم منها الاعتقاد والسلوك الصحيح، ويتهيأ منذ الصغر على مقاومة الباطل، مستمداً من صمود الأنبياء والرسل منارة يهتدي بها في حياته الطفلية والمستقبلية، كما تتعلم الأسرة المسلمة كيف تصبر على مواجهة الأحداث.

ونقطة مهمة في السورة ترينا دور الأب فقط ولم يظهر فيها دور الأم، بينما في قصة سيدنا موسى على العكس نجد دور الأم ولم نجد دور الأب.

وعلة ذلك فيما يبدو لي والله أعلم أن قصة سيدنا يوسف كانت تحتاج لدور الأب لأنه لم يكن في مرحلة الحضانة وإنما بعدها فاحتاج لدور الأب، وهذا ما تقرره الشريعة الإسلامية في فقه ولاية الأب، بينما في قصة سيدنا موسى كان وليداً مولداً جديداً فاحتاج لدور الأم.

2- نلاحظ من بداية السورة قُرب الأب من ولده الصغير بحيث يصل لدرجة قص الطفل رؤياه على والده، وهذا يدل على قوة العلاقة الاتصالية بين الطفل ووالده، ثم نرى معرفة الأب لحسد إخوته الكبار، لذا ينصح ابنه الصغير يوسف بعدم قص الرؤيا على إخوته الكبار:

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4) قَالَ يَابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلآنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5).

ومن نستفيد في أن نطلب من أطفالنا في قص رؤاياه علينا، ومحادثتم صباحاً بذلك، كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه الكرام بعد صلاة الفجر فيبتدرهم ويسألهم عن رؤياهم.

ونستفيد كذلك أن نعلم أطفالنا أن الحسد حقيقة موجودة، فعليهم أن يتجنوبها ويتجنوا أسبابها، ويتجنوا أن يصابوا بها وذلك بألا يتحدثوا عن نعم الله عليهم فيحسدهم الأطفال الآخرين، بل ويحسدهم إخوتهم الكبار، كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود) نعم فإن كل ذي نعمة محسود من أبناء طبقته، فتجد الانفعلات الداخلية في النفس يزينها الشيطان في النفوس المريضة التي تظن أن النعمة من البشر وينسون الله تعالى واهب النعم لمن بشاء.

ونستفيد كيف أن الأب يعلم ولده عدوه المبين ألا وهو الشيطان الذي لا يراه، ويوسوس له ليل نهار.

والملحد ينكر ذلك ويدعي العلمية وأن العلم لم يثبت وجود الشيطان فكيف تربون أطفالكم منذ نعومة أظفارهم على الإيمان بشيء لا يرى؟

والجواب بسيط جداً: إن العلم يثبت وجود الشيء بآثاره، نحو المغناطيس والكهرباء والهواء وغيرها، وكذلك هنا إن الجرائم التي تحصل في المجتمع نتيجة وسوسة الشيطان في نفس المجرم فيقدم على الإجرام، وإن النفوس الشريرة المنتشرة في العالم ومنها الحروب نتيجة وسوسة الشيطان وسيطرته على أصحابها الذين أولعوها وسجروها على شعوبهم، فأصابهم الوبال. فهذه الآثار تدل على وجود من يحرك النفوس الشريرة. الطمع والشح والقتل والسرقة .. الخ فهل تكون بدافع العقل أم بدافع النفس الشريرة؟.

3 – ثم نرى نصح الأب لابنه الصغير بتوقع مستقبل النبوة له باصطفاء الله تعالى، وتعليم الله له تأويل الرؤيا التي سيكون له شأن كبير فيها، والتي ستكون سبباً لخروجه من سجن المستقبل، والصغير لا يدري كل ذلك:

(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6).

ومن هنا نرى كلما كان الأب قريباً من ابنه، حصلت بينهما علاقة قوية، تمكن الأب من معرفة طبيعة ابنه ومواهبه، وبالتالي تمكنه من رسم مستقبله بما يتوافق مع طبيعته، فلا يتعثر في المستقبل. وهذا حصل أيضاً لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث توقعت أمه آمنة وجده عبد المطلب بأن له مستقبلاً رسالياً يقود فيها الأمة.

ونستفيد كذلك أن الاجبتباء وهو الاصطفاء يكون من الله تعالى وليس للعبد فيه شيء، وأما التوبة والإنابة فعلى العبد تقديمها حتى يحصل له الهداية: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب).

ونستفيد من (ويعلمك تأويل الأحاديث) بأن هذا التأويل وهو التفسير عطاء رباني يختص به من يشاء من عباده.

ونستفيد كذلك تعويد الطفل على شكر النعمة، وربطه بأجداده الصالحين من قبل، ونحدثهم عن أخبارهم وعطائهم وبطولاتهم وعلمهم وإحسانهم، نتخير من حياة الأجداد ما هو مفيد للطفل، لينشأ الطفل مرتبطاً بتاريخ أسرته، فيحافظ عليه، ولا ينحرف أو يظلم حتى لا يسيء إلى سمعة أسرته.

ثم نربط الطفل بصفات الله تعالى (إن ربك عليم حكيم) وهنا لفتة جميلة بقوله (إن ربك) ولم يقل هنا (إن الله) وإنما قال (إن ربك) ليعلم الطفل أن له رباً عليماً قادراً لأن الربوبية علاقة الخالق بالمخلوق وهي علاقة ليس فيها للإنسان أي اختيار أو إرادة، فمن خصائص صفات الربوبية أن الخالق، وليس للإنسان في خلقه ووجوده أي اختيار، بينما صقات الألوهية أعطت للإنسان اختيار، والتي منها العبادة التي امتحن الله فيها العباد.

ونجد أن الاجتباء وتعليم تأويل الأحاديث يحتاج إلى صفتي العلم والحكمة التي توهب من تشاء ما تشاء عن علم وحكمة وليس عن صدفة.

4- ثم نرى حسد الإخوة الكبار من أخيهم الصغير المحبوب لقلب والدهم أكثر منهم، وتواطئهم على التخلص منه؛ باقتراحات مختلفة؛ أعلاها القتل، وأخفها الاستبعاد للصغير من وجه أبيهم:

(إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ(9)قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(10).

ونستفيد أن اجتماع الأخوة وقرارهم لم يكن صواباً من بدايته، حيث جاء نتيجة اجتماهم بالقرارات المبدئية السبعة التالية:

  1. اقتلوا يوسف.
  2. يوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا.
  3. نحن عصبة.
  4. إن أبانا لفي ضلال مبين.
  5. اقتلوا يوسف.
  6. أو اطرحوه أرضاً.
  7. يخل لكم وجه أبيكم.
  8. وتكونوا من بعده قوماً صالحين.
  9. ثم نرى أن هناك كان تحاوراً وتشاوراً بحيث نتج عنه باستبعاد الرأي الرابع وهو القتل، والاستعاضة عنه بالإلقاء في غياهب الجب.

ونلاحظ أن المقترح قد وضع إخوته على محك الجد فأتبع رأيه: (إن كنتم فاعلين) ويحتمل ذلك وجوه:

  • أن أراد استفزازهم بأنهم لن يفعلوا شيئاً وإنما اجتماعهم وقراراتهم حبر على ورق.
  • أو أنه أراد نصحهم وإرشادهم بأن القتل لا يليق من الكبار نحو الصغار، وأنه جريمة كبيرة، فلأخف منها هو النفي.
  • أو يعلمنا الوصول إلى الهدف مباشرة، فإن كتم فاعلين للتخلص منه فعليكم بالنفين لأنه يحقق هدفكم.
  • وطبعاً كان الاجتماع سرياً بحيث لم يصل النبأ والأخبار إلى أبيهم.

ولنا الوقفات التالية مع تلك القرارات نستلهم فيها العظات التربوية من خلال أسرة نبوية:

1- (اقتلوا يوسف) نلاحظ أنهم بدؤوا بأعلى جريمة وهي القتل، والتخلص نهائياً من يوسف، وهذا ناتج من انفعالات شديدة وعنيفة، تدل على وصولهم لقمة الحقد والكراهية، وماذا فعل أخوهم الصغير حتى ينال منهم عقوبة القتل، هل قتل أحد؟ هل سرق مال أحد؟ هل ضرب أحد؟  ولكن ما هي جريمته؟ لقد جاء التعليل:

2- (يوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا) فإذا السبب ليس من أخيهم، وإنما من أبيهم الذي يحب يوسف وأخوه أكثر منهم، وهنا لفتة تربوية وهي:

إن يوسف وأخيه من أم، والأخوة الباقين من أم أخرى، وبذلك ينكشف سر المؤامرة، فإخوة الأب يصل فيها الغلو والإفراط في الكراهية أكثر من الأخوة الأشقاء، فهم يعانون من عقدة نقص الحب، وما دروا هؤلاء المساكين أن عاطفة الأبوة والأمومة دائماً هي مع الصغير أكثر من الكبير، وهذا إحساس فطري عادي، فمن يؤمن بها يستريح ويعيش هنيئاً، ومن يعاكسها تتـنغص حياته، وينغص معه حياة والديه، لأنه يريد جرعة من الحب زائدة عن الحد، أو أنه يريد العاطفة الجياشة التي كان ينالها في طفولته ولم يعد يحس بها في كبره، ونسي هذا المسكين أنه بدأ مرحلة التصلب والفتوة والرجولة لكي يواجه الحياة، فكأنه يريد أن يبقى طفلاً في الداخل وشكلاً رجولياً في الخارج وهذا خطأ كبير نراه أمثاله في الحياة العملية، لذا وجب على الآباء التنبه لهذه الحقيقة وأن يفهموها لأبنائهم حتى لا يقعوا في مطب الحقد والحسد على إخوتهم الصغار.

والكبير جاء دوره في العطاء وليس الأخذ من والديهم كل شيء، وإن واجب الأبناء الكبار أو كلما كبروا أن يدركوا واجباتهم مع والديهم، وأن يقوموا بها أحسن قيام، وليس أن يبحثوا عن واجب آبائهم نحوهم، لأن هذه المنهج من البحث بدايته خاطئة فنتيجته خاطئة.

ونستفيد من تلك الآيات ضرورة كتمان الأب حبه الزائد، وتفضيله أحد الأبناء على الآخرين، وأن يشعر جميع الأبناء بعدله واقعاً وحساً مادياً ومعنوياً، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم والد النعمان بن بشير وهو يريد أن يشهده على وهبه لابنه بستانأ، ولم يوهب الآخرين فقال له: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: فلا إذن) رواه الشيخان. فرجع الأب عن تفضيله أحد أبنائه متبعاً الهدي النبوي، فسلمت أسرته من الغيرة والحسد والعقوق.

وأن يبين الأب لأبنائه أن أفضلهم عند الله أفضلهم لديه، وأحبهم لقلبه، تحقيقاً لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات.

إن عدل الآباء والأمهات بين الأبناء هو السبيل الوحيد لاجتاث الغيرة والحسد والعدوان بين الأبناء، وهو السبيل لبناء أسرة مستقرة متوازنة.

حتى وصل الأمر إلى العدل بين الأبناء في القبلة، فإن قبلت أحداً منهم فعليك أن تقبل الباقين ومن الخد الذي بدأت به يميناً فيمين.

5- ثم نرى جلسة أسرية ظاهرها الرحمة وباطنها المكر والتخطيط لبرنامج الخطة في استبعاد الصغير من وجه أبيه، ظناً منهم أن يخلوا بأبيهم من بعده، ونلحظ من التخطيط أنه محكم العرض، منسجم لما يتناسب مع الصغير وهو الفسحة في البَرِّ واللعب الجماعي، والحب الصادق في ظاهره ومن جميعهم:

(قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ(11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(12).

ومن هنا نرى أهمية لعب الصغير، فهو المجال الذي يبني فيه جسمه، ويمتع به روحه، ويغذي به نفسه فهو خير كله، وهو مطلب نبوي كذلك، ليس أدل عليه من لعبه صلى الله عليه وآله وسلم في صغره مع الأطفال، وسماحه لأنس للعب مع أصدقائه، وتسليمه على الأطفال وهم يلعبون، ثم لتلعيبه سبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما أمام الناس وفي البيت.

ونلاحظ أمراً آخر يدعو للتأمل في الكلمة القرآنية وهي كلمة (لا تَأْمَنَّا) التي فيها حكم الإشمام أثناء تلاوتها، والإشمام ضم الفم عند النطق بالميم دون إظهار حركة الضم عند النطق، فالتعبير القرآني يدل على اختلاس حركة الضمة، وكأن النطق يدل على اختلاس الحقيقة التي في النفوس والتي لا يريد الأبناء إظهارها أمام والدهم، والله أعلم.

6- ثم نرى جواب الأب المناسب للعرض الخادع، ونلاحظ الحوار الأسري يستمر في عرض الأحداث، وتصويرها، والحجج القوية من كل طرف:

(قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ(13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ(14)

وهكذا تم لهم ما أرادوه، وانخدعوا بتدبيرهم وتخطيطهم، ونسوا مراقبة الله لهم، وهو الدرس الذي سيتعلمونه فيما بعد.

ونستفيد كذلك ضرورة إنشاء الحوار بين الآباء والأبناء، إذ هو السبيل لتنمية مهارات الأبناء، كما ينشط الآباء في التفكير في مشاكل الأبناء وحلها، وأن يدربهم على إقامة الدليل والبرهان. وأن يتجاوب معهم لنتائج الحوار.

7- ثم نرى أن يعقوب وقع فيما حذر منه ابنه الصغير يوسف بأن لا يحدث إخوته برؤياه فيكيدوا له كيداً، وذلك ليعلم المؤمن بأن عليه الأخذ بالحيطة، ولكن قد يأتيه البلاء مما خاف منه، وخطط لعدم الوقوع منه، ليلجأ المؤمن في كل أحواله إلى الله، وأن يسلم لقضائه ([1]).

8- وبعد تمام مؤامرة الإخوة بإلقاء أخيهم الصغير في الجب للتخلص منه، جاء النصر المبين من الله تعالى للصغير وهو في الجب، أنزل الله عليه الطمأنينة بالعودة إلى إخوته، ومباشرة الوحي بالنزول على الصغير بأنه في رعاية الله تعالى، وأن الله تعالى فوق كيد المعتدين حتى لو كانوا إخوته، الذين نسوا الله في تلك اللحظات، ونسوا يوم كشف حقيقة خداعهم لأبيهم وأخيهم:

( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(15)

9- ثم يبين القرآن الحجج الباطلة عِبْرَ دموع التماسيح الكاذبة، والأدلة المادية المزيفة، وأمام كل الحجج التي ظاهرها الحق وباطنها الباطل، نرى موقف النبي يعقوب، -وهو الدرس الأول المستفاد لكل مؤمن-، فيأتي جوابه بالتوكل على الله والاستعانة به على كل تلك الحجج الباطلة:

(وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ(16) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ(17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18).

ونرى أن الحجج الباطلة ابتدأت مما حذر منه الأب أبناءه، وذلك حتى يصدقهم أبوهم، لذلك أحسوا أن حجتهم العقلية ضعيفة: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)  فأتبعوه بالدليل المادي القميص المضرج بدماء الكذب.

ونلحظ أن الأب أحس بمكر أولاده، وأن الأمر كان خطة مبيتة من أولاده: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً) ثم يبين أن الأمر يحتاج للصبر الجميل لمواجهة حدث قتل ابنه، ويُظهر أن الله قادر على كشف الحقيقة.

وهنا يعلمنا القرآن كيفية مواجهة الأحداث الأسرية والعامة برفع شعار: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) وبذلك تزداد نفس المؤمن قوة على مواجهة الكرب والحزن والتآمر على العباد، وضرورة ابتعاد الآباء عن إظهار عنتريات فارغة، أو تسويفات كلامية، أو خطب رنانة، أوتسويد مقالات مهترئة، فيكشف القرآن منهجاً جديداً ألا وهو تفويض كشف الحقيقة لله تعالى، والصبر الجميل بلا ضجر ولا ملل ولا سآمة، أو إظهار الاستياء من قدر الله تعالى، لذا يأتي شعار (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ذِكْراً يردده المؤمن صغيراً وكبيراً، في حياته اليومية في كل آن، كلما عرض له عارض أو طارئ.

10- ثم ترينا الآيات رعاية الله تعالى للصغير المرمي في الجب بيد إخوته، لا بيد أعدائه، وتُرينا الآيات دقائق تفصيلية من قدرة ورحمة الله تعالى، وتمكينه لعبده، وأنه في الرعاية الإلهية في كل آن، وهو هدف إيماني من إيراد القصص القرآني، كيف يربي القرآن المؤمن بالقصة الواقعية العملية:

(وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ(20)وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً([2]) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22).

إنه درس إيماني برعاية الله لكل خطوة، وأن أكثر الناس غافلون عن قدرة وعلم ومشيئة الله تعالى، فهم أرادوا أمراً، والله تعالى أراد غيره، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

11- ثم يذكر القرآن فتنة الشاب المراهق الجميل، في أعنف مشهد يحصل لشاب وسيم، أُوتي شطر الحُسن، خلوقٍ بريئ، أمينٍ طاهرٍ عفيف، فينجيه الله من ذلك المكر، بأعجوبة دقيقة خفيت على كثير من الناس، وذلك بفضل لجوئه إلى الله واستنجاده به بقوله (مَعَاذَ اللَّهِ):

(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24).

وأتت كلمة(هَيْتَ) ومخارج حروفها بدءً من الهاء ومخرجها من الجوف مروراً بوسط الحلق بالياء ثم الثنايا بالتاء، ليدل على مدى تمكن حبها منه. ولكن المؤمن لا يخون الله ولا رسوله ولا من ائتمنه على عرضه، وآواه في بيته.

ولقد هم بدفعها عنه، فرأى برهان ربه: لو أنه دفعها فسوف يُستخدم دفعه لها حتى تبتعد عنه من جهة صدرها سيكون دليلاً ضده بأنه هو البادئ، فلجأ إلى الهروب، مما أدى لأن تلقي القبض عليه من قميصه من الخلف، فيكون ذلك دليل تبرئته من التهمة.

(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ(27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ(28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ(29)

ثم ينكشف الأمر في المجتمع، الذي يتتبع عورات الناس وعلى الأخص الأسر الحاكمة، الأمر الذي يدعو كل أسرة إلى الاهتمام بتربية نفسها كباراً وصغاراً، وأن وقع الفضيحة ألم وعذاب كبير، فأعدت امرأة العزيز خطة في استدراج تلك النسوة اللاتي تكلمن عنها، وكن من طبقتها:

(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32).

وبعد أن سمع الفتى ذلك التهديد والوعيد، إذ كان بامرأة العزيز وحدها؛ فإذا بالمؤمرة تزداد عليه من تلك النساء جميعاً، فلا يزداد الشاب المؤمن إلا ثباتاً، ويلجأ إلى الله في أن يعصمه الله من مكرهن، وطلب من الله أخف الضريين، وتأتي استجابة الدعاء مباشرة لعبده المضطر يوسف عليه السلام، بحرف الفاء الذي يفيد السرعة والمباشرة فوراً: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) :

(قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34)

– ثم نرى أن مجلس العزيز بدأ يفكر في الأمر لكي يتدارك ألم الفضيحة بين الناس، فوجد بعد المداولة: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ(35).

فترينا الآيات أن علاج شغف الحب يكون بالإبعاد بين المتحابين؛ واليأس من حصول الزواج بينهما.

12- ثم تبين الآيات التربية السجنية للداعية، وتبين الدعوة إلى الله وعبادته التي خُلق الإنسان من أجلها فهي معه أينما ذهب وأينما حلَّ وارتحل، سفراً  وحضراً، سجناً وحرية، صحةً ومرضاً، غنىً وفقراً، وفي كل أحوال المؤمن الزمنية والمكانية يستمر بالدعوة إلى الله، فهو لا يذوق طعم الإيمان إلا بالدعوة إلى الله، وما الدعوة إلى الله تعالى إلا دعوة المجتمع والأسر والأفراد إلى التربية الصحيحة بعبادة الله وحده، والاستقامة على منهج الله تعالى وتشريعه، فيتنظف المجتمع من أدران المخدرات والآيدز، ويتخلص المجتمع من حقد المرابين مصاصي دماء الشعوب، وآكلي ثمرات جهودهم. ويتطهر المجتمع والأسرة من أكل أموال بعضهم البعض بالباطل.

هكذا يعلمنا القرآن عبر قصة سيدنا يوسف موقفه في السجن:

(وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(36) قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(40) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(41).

وهكذا عرض يوسف السجين لزملائه في السجن دليل الوحدانية لله تعالى، وسبق ذلك إظهار نبوءته لهم بنوعية الطعام الذي يأتيهما، كما قام على خدمتهم بتفسير منامهما وحلمهما، ويعطي لهما رأيه بكل يقين، وأن تفسير المنام هو فتوى، لا يجوز دفعها إلا من المفتي العالم بها.

وبذلك يتعلم الولد أن الثبات على الإيمان قد يدفع ثمنه من فترات حياته، فيقضيها في السجن في سبيل الله تعالى، فلا يتذمر لقضاء الله تعالى، ويستمر في دعوته لله رب العالمين، ويرى في سجن سيدنا يوسف وسيدنا محمد وأصحابه المؤمنين الصغار والكبار في شِعْب مكة ثلاث سنين قدوة حسنة.

13- ثم يقدم لنا القرآن درساً تربوياً عملياً، نتيجة نسيان سيدنا يوسف ذكر الله تعالى لحظة واحدة، فتأخر خروجه من السجن بضع سنين، وذلك بطلبه من السجين الخارج من السجن، أن يوصل خبر براءته إلى الحاكم مما نُسب إليه حتى يخرج من السجن:

(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ(42)

14- ثم تأتي قصة رؤيا الملك وتبدأ قصة يوسف بالعد التنازلي من البلاء، ونرى من بداية السورة ووسطها ونهايتها التركيز على علم تفسير الرؤيا، وأنه وهبي من الله لا كسبي من الإنسان، وذلك فضل من الله تعالى يعطيه من شاء من عباده:

– ففي أولها: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6).

– وفي وسطها: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ) (21).

– وفي نهايتها: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ)(101).

فالنستعرض رؤيا الملك وكيف انكشف خطأ امرأة العزيز في الوقت الذي أراده الله أن يظهر:

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلا أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ(43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ(44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي(45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ(46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ(47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ(48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ(49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ(51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ(52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ(45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ(46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ(47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ(48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ(49)

وهكذا يفسر يوسف رؤيا الملك تفسيراً اقتصادياً، ويعلمنا أن نعمة الله قد تتقدم البلاء أو العجز الاقتصادي، فعلى الدولة والمجتمع والأسرة والفرد أن يتعلم أن ما يرده من نعمة مالية أو غيرها قد تكون لتشمل ما يتأخر من أحداث، فالإدارة الاقتصادية للدولة والمجتمع والأسرة والفرد مطلوب، حتى لا يقع العجز الاقتصادي الذي لا يبقي ولايذر، ومن هنا وجب على الاسرة أن تربِّ أفرادها على الإدارة الاقتصادية، مصداقاً للأثر” (اخشوشنوا فإن النِّعَمَ لا تدوم).

كما ندرك أهمية تعبير الرؤيا للصغير والكبير والحاكم والمحكوم، وكما ورد أن الرؤيا الصالحة جُزءٌ من ست وأربعين جُزءاً من النبوة، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلتفت إلى أصحابه بعد صلاة فجر كل يوم فيسأل أصحابه عن رؤياهم ليفسرها لهم، حتى أفرد البخاري وغيره باب تعبير الرؤيا، مما يدل على أهمية الاعتناء بهذا العلم.

15- ثم يأتي المشهد الذي ينتظره كل سجين بإذن الخروج منه، إلا أننا نشاهد يوسف يفاجئ الناس في السابق واللاحق، فلا يخرج حتى تصدر شهادة البراءة من أعلى سلطة في الحكم، ألا وهوالملك الذي فُسرت رؤياه، وأصبح في شوق للتعرف على مفسر رؤياه، بعد أن أدبه الله تعالى في السجن بضع سنين، وهنا لم تجد امرأة العزيز مهرباً من الاعتراف بالحق والحقيقة التي غابت سبع سنين، نتج عنها قطع الحرية عن أحد أفراد الشعب ظلماٌ وعدواناً، وإيمان رجلين في السجن:

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ(51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ(52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(55).

ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يضيف أمراً آخر،: (ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) وفي لفظ لأحمد: ( لو كنت لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر) وروى وهكذا يفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته بالمسارعة للخروج من السجن بدون إذن التبرئة، كما يسمح باتباع يوسف في تقواه في طلب التبرئة حتى يتم الخروج، وهكذا تصبح التربية القرآنية والنبوية تدور مع الضعيف بالفتوى، وتفتح المجال أمام الهمم العالية في تحقيق التقوى، وبذلك تصبح تربية واقيعة في الفتوى ومثالية في التقوى، وهذا لا يتحقق في أي مبدأ تربوي أو عقدي في الوجود إلا في التربية القرآنية والنبوية. ومن هنا يتعلم الأبوان أن تربية أولادهم تدور بتحقيق الحد الأدنى وهو الفتوى وذلك بتعويد أولادهم إقامة الفرائض ثم الواجبات، ثم ترقية من يترقى إلى التقوى وذلك بتعويدهم إقامة السنن والمستحبات.

15- ثم يصبح سيدنا يوسف مستشاراً خاصاً للملك، بعد أن نصره الله على إخوته وامرأة العزيز، وهكذا يمتحن الله عباده المؤمنين بالبلاء، ليظهر معدن صدقهم ولينكشفوا أمام الملأ الأعلى والملأ الأدنى على حقيقتهم، فيحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وتلك حكمة الله تعالى في كافة خلقه:

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(56) وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(57).

ونستفيد من قوله: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) صفات التربية القيادية، فنحتاج أن نربي قادة المستقبل بتوفير صفتي العلم والحفظ والأمانة، وخاصة في القيادة الاقتصادية التي تحتاج إلى أمانة شديدة، وفي قصة طالوت زيادة أمر آخر يجب توفره في القائد العسكري والسياسي ألا وهو قوة الجسم ( وزاده الله بسطة في العلم والجسم) فأصبح لدينا ثلاث مقومات تربوية لتكوين القادة:

1- قوة الجسم إذ ضعيف الجسم لا يقوى على تحمل المسؤلية، لأن القيادة فيها نوع من الإرهاق الجسمي.

2- العلم والتخصص في الميدان القيادي المنوط به. إذ الجاهل سيصبح ألعوبة لمن هو دونه، أو دمية في الخصوم.

3- الحفظ والأمانة: إذ الناسي سيضيع أشياء كثيرة، وغير الأمين سيسيل لعابه في الخيانة ضد الأمة، وسينفذ إليه الخصم في شراء ذمته.

16- وشاءت قدرة الله أن يحتاج إخوة يوسف للطعام فيسافرون إليه، للحصول على تموين الغذاء من مستشار الملك، وهنا تخبرنا الآيات كيف استدرج يوسف إخوته لإحضار والده، بواسطة خطة محكمة مع جنوده، وذلك بتزويدهم بالغذاء وبرد بضاعتهم إليهم، حتى يحضروا له أخاهم من أبيهم، وهنا نعلم أن إخوة يوسف الذي كادوا له لم يكونوا إخوة أشقاء، وإنما إخوة لأب، وهنا نحصل على معلومة جديدة أن الغيرة تكون أكثر من إخوة لأب منها لإخوة أشقاء، وهذا يعني أن يتنبه كل مُعَددٍ في الزواج لمكر الزوجات بعضهن في بعض، وكذلك مكر أولادهن بعضهم ببعض، وكان ذلك واضحاً للأب يعقوب من البداية عندما أمر ابنه الصغير أن لا يحدث إخوته برؤياه:

(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِي(60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ(61)

فذهبوا بالبضاعة والغذاء وهم فرحون مستبشرون، وهم لا يدرون خطة يوسف بأنه لم يأخذ منهم ثمناً ، فأرجع لهم بضاعتهم مع الغذاء:

(وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(62)

وقد تحققت خطة يوسف باستدراجه لإخوته بتكريمه لهم، وعدم أخذه بضاعتهم ثمناً لما قدمه لهم، فيرونه كريماً محسناً، ترغيباً لهم في العودة إليه معهم أخيهم لكرمه:

( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(63).

وهنا يجدر الوقوف عند أمر يوسف: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) لماذا لم يبادر يوسف لتعريف إخوته به، ولم يوصل خبره لوالده بسرعة؟!

صحيح أن يوسف يتصرف هنا كرسول ونبي، فإذاً الأمر لم يكن عبثاً في تأخير يوسف لكشف هويته لإخوته، فما هي الحكمة التربية المستفادة من ذلك؟

فيما يبدوا لي أنه أراد تربية إخوته تربية عملية واقيعية يذوقون فيها الألم، لما جَنَتْهُ أيديهم معه، ولو أنه بادرهم بمعرفته لبقوا مستعلين عليه، ولبقيت نفوسهم مريضة بالحسد والغيرة، بل لربما زادت.

فالأمر التربوي مقدم على العاطفة والحب والأخوة والبنوة، أرأيت كيف تسقي الأم الحنون ولدها الرضيع الدواء المر، والطفل يبكي بين يديها، وهكذا الأمر التربوي، فهو مقدم على المشاعر، لأنه سيبني الولد ويضعه في الطريق الصحيح.

كثير من الآباء يظن أن إيقاظ طفلهم لصلاة الفجر بعيد عن الحب، وأنه قسوة على الطفل، لست أدري أرهم أرحم من رسول الله e الذي وصفه الله تعالى: ( وما أرسناك إلا رحمة للعالمين) وقوله تعالى: (بالمؤمنين رؤوف رحيم).

ولما يوقظن أطفالهن للذهاب إلى المدرسة لتعلم علوم الدنيا، ولا يوقظنه لعلم الدنيا والآخرة؟! إنه تناقض في التفكير، وتسيب في التطبيق، وعدم إدراك أهمية التربية الصحيحة.

أما بقاء كتمانه أمره عن والده، فهو أن يوسف يعرف أن والده نبي يتحمل ألم الفراق شيئاً قليلاً، بالإضافة إلى إرساله بعض الإشارات التي وصلت إلى والده مما زادت في تفاؤله إلى لقائه.

17- وهنا يعرض القرآن الحوار مجدداً بين الأب وأبنائه المشكوك في نواياهم، إذ جرح فقدان يعقوب لابنه الصغير ما زال يؤثر في نفسه، لذلك قدموا لوالدهم الحجة التي مهد لها يوسف، بكرمه وتكريمه لهم، وسخائه عليهم:

(قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)

وأمام ضغط الواقع يطلب الأب من أبنائه موثقاً من الله تعالى بأن يحافظوا على أخيهم من أبيهم:

(قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِي مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(66)

18- ثم يبين القرآن حقيقة أن: (العين حق) ([3])؟ وأن تأثير الحسد أو عدمه هو بإذن الله ، وهذه المشكلة تنتاب الأسر جمعيها، وعلى الأخص الأسر ذوات الأولاد الكثر، وقد نزلت المعوذتان لحل المشكلة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما مع سورة الإخلاص ثلاثاً وينفث على يديه ويمسح بهما ما وصلت يداه إلى جسده الشريف وذلك كل ليلة قبل النوم، وذلك تعليماً لنا:

( وَقَالَ يَابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ(67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(68)

وهنا نلاحظ أن تدبير الأب كان سبباً في إظهار مطلب ولده يوسف؛ بحيث أعانه على الخلوة بأخيه؛ وإخباره بحقيقة الأمر: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(69). وهنا نستفيد بضرورة كشف الحقيقة أمام الأخ البريء وذلك حتى لا ينتابه الخوف والذعر، وأما الأخ المتآمر فلا بد له من التأديب وهذا ما فعله يوسف.

19- ثم تستعرض الآيات التخطيط الهادف البريء، بإحكام خطة عملية واقعية، ليأخذ يوسف أخاه، وأن الحاكم والقاضي يحتاجان لوسائل غير اعتيادية لإظهار الحق، وذلك حتى يفاجئ الباطل فيقر بذنيه، فيتوب عن فعلته، وأن الأسلوب المادي في القضاء خير دليل على إقامة البينة، ثم نستفيد أمراً تربوياً من يوسف حيث لم يتسرع في تسمية العقوبة، وإنما أخذها منهم، ليكون أدعى لإقامة الحق والعدل، وحتى لا يعودوا عليه بالتبرير:

(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ(70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ(71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ(73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ(74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(75)

وهنا نلحظ التخطيط المحكم ببدئه بتفتيش أوعيتهم حتى يفرحوا ببراءتهم وبالتالي يسهل عليهم  تطبيق نتيجة الحكم:

(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ )

ثم تختم الآية بأن ذلك كله بتدبير من الله تعالى، وليس من عبقرية يوسف، كما قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن رميه للتراب في وجوه المشركين ببدر: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) فجاء البيان عن خطة يوسف:

(كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(76)

ثم يعود الحوار بين يوسف الحاكم وبين إخوته، فنلحظ ضبط يوسف لأعصابه، وأنه لم يكشف أمره رغم التهمة الكبيرة التي وجهها إخوته لأخ لهم رموه في غيابت الجب، ونجد يوسف ينبه إخوته بضرورة تذكر الخوف من الله، وأمام ظاهرة عدم إنصياعه للظلم مرة ثانية، بأن يأخذ أحد الإخوة مكان الذي وجد متاعه عنده، فيكرر يوسف: (مَعَاذَ اللَّهِ) كما قال لامرأة العزيز ذلك لما دعته، إنه درس إيماني عملي في كيفية مواجهة الدعوة إلى المعصية، بالاستعاذة بالله تعالى:

( قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ(77) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ(79).

ونريد أن نقف محللين لحالة الإخوة: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)

فقد تنصل الإخوة من أخيهم لأب، وبكل جرأة اتهموا أخاهم من قبل بالسرقة وهو بريء، فهذا يدل على غطرستهم في الباطل، فهم يحتاجون لمزيد التأديب، لذلك (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).

ثم نرى مشهداً شورياً بين الإخوة، وفي هذه المرة يكون العرض صحيحاً وسليماً، لأن الأمور بدأت تتعقد أمامهم، ولم يعد إلا الصدق للتخلص من المأزق، ونلاحظ استيقاظ ضمير الأخ الأكبر، وهنا ندرك أهمية الأخ الكبير في توجيه إخوته الأصغر منه، والعناية به ستعين الوالد في تربية الإخوة الباقين:

(فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ(80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ(81) وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(82)

وتظهر الآيات كيفية استبانة كذب الابن من صدقه، فعندما كذبوا على أبيهم قالوا: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، وذلك بأسلوب الاستفهام الاستنكاري المدلس، وعندما صدقوا أباهم قالوا: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) وفي المرة الأولى ( جاؤوا على قميصه بدم كذب ليراه، وفي المرة الثانية قالوا: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا)، ولما كانوا كاذبين أكدوا على صدقهم، وعندما كانوا صادقين لم يؤكدوا. وتلك من علامات الصدق والكذب في الأبناء مع والديهم، أو يمكن القول إنها حالة عامة في الصدق والكذب.

20- وأمام فقد الأب لابنه الثاني يظهر إيمان سيدنا يعقوب ويتكرر مشهد الصبر الجميل من قبل الوالد المؤمن الواثق بالله تعالى، فيعطي أبناءه درساً إيمانياً في التوكل على الله تعالى، وعدم اليأس من رحمة الله في أشد المصائب الأسرية وذلك بفقدان أصغري أبنائها، وأن الابن يستمد الصمود على مواجهة الأحداث من موقف أبيه، فيستفيد منه رجولة الصبر على مواجهة الأحداث:

(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ(85)

وأمام فقد الأب لبصره وولديه يتكرر المشهد الإيماني أمام أولاده معلماً ومربياً لأولاده، بخمس قواعد إيمانية تربوية، تعلمهم كيفية مواجهة الأحداث:

1- (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ

2- وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(86)

3- يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ

4- وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ

5- إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ(87)

21- ثم تعرض الآيات ثمرة طاعة الأبناء لوالدهم، فإذا بالمشكلة تبدأ بالحل، وإذا بهم يحصلون على أضعاف ما كانوا يتوقعون، فيحصلون على الغذاء والإخوة ومنصب أخيهم مستشاراً عند الملك، وشفاء أبيهم من العمى، ويعلم يوسف إخوته وهو في مركز الحكم كيفية التقوى عن طريق الصبر والصفح عن الذنب بعد اعتراف المذنب بذنبه:

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ(88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ(89) قَالُوا أَئِنَّكَ لانْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ(91) قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ(93)

22- ثم يأتي مشهد الأب المؤمن الواثق بلطف الله تعالى وكرمه:

(وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لاجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِي(94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ(95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(96)

ثم يأتي مشهد المواجهة بين الأب الصادق المنتصر من محنة البلاء على يد أولاده فيطلبون منه العفو والمغفرة فيعد الأب أبناءه، وهذا هو المطلوب من كل أب العفو والصفح عن أخطاء أولاده بعد إقرارهم بخطئهم وطلبهم السماح مهما كان خطؤهم فادحاً إلا الكفر:

(قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(98)

23- ثم يأتي مشهد تفسير رؤيا الطفل الصغير يوسف بعد سنين من الصبر والمحن، فيعلن أمام إخوته رؤياه المكنونة، بلا خوف من إخوته، إذ الجميع أصبحوا كباراً متساوين في القوة والعضلات، وزاد يوسف عليهم بالملك والسلطان، فلا بد للكبير أن يعامل أخاه الصغير معاملة حسنة، حتى يترك في نفسه الأثر الطيب، وأن الصغير سوف يصبح كبيراً يوماً ما، وسلطان الكبير على الصغير لن يستمر إلا بالحب والوفاء والإخلاص لإخوته الأصغر منه. ويظهر هنا ولأول مرة دور الأم وحضورها:

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100).

وهكذا يتكرر نزغ الشيطان بين الأخوة داخل الأسرة، فتحتاج كل أسرة معرفة حل ذلك([4]).

24- ويستمر يوسف في إظهار الخضوع والذل لله تعالى، ودعائه له، وطلب الوفاة على الإيمان ، وهو مطلب الأنبياء فكيف ببقية العباد:

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101)

25- ثم تختتم السورة بالتوجه لخطاب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيتصل حاضر الأمة الإسلامية بماضيها، ويظهر ابتلاء الرسل وامتحانهم وظهور ثباتهم وقوة إيمانهم، وتفويض أمرهم إلى الله والتجاؤهم إليه في كل مواقف الحياة العصيبة، ومحنها الشديدة، ويتصل بداية السورة بنهايتها في إقامة الحجة على اليهود من كون النبي e رسول من عند الله تعالى، وإلا لما استطاع أن يأتي بمثل دقائق قصة يوسف، وأن طريق الدعوة إلى الله تعالى أجره ومكافأته من الله تعالى لا من البشر، وأن الله يهدي من يشاء، وليس على الداعية الهداية وإنما البلاغ، وأن ما يوجد في الكون تنبيه للإنسان للإيمان بالله تعالى، فهذا طريق واضح بيّن مستقيم، ويتبين أن هدف تربية المسلم لأسرته، من أجل أن تكون أسرته مع ركب الرسل -صلوات الله عليهم- لا مع ركب فرعون وقارون وأبي جهل، فكل آية تمثل قاعدة كلية من حياة الفرد المسلم والأسرة المسلمة والدعوة الإسلامية، إنها التربية القرآنية التي ترفد المؤمن في كل آن لمن يريد أن يكون عبداً لله تعالى، وذلك نلحظه في الآيات التالية:

(تَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102)

وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)

وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(104)

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)

وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)

أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(107)

قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ(109)

حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(110)

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(111) صدق الله العظيم

 

من خلال ما تقدم نستخلص الحقائق التربوية التالية:

1- التربية باللغة العربية الفصحى (قرآناً عربياً لعلكم تعلقون). واللغة مفتاح العلوم، ومفتاح بناء الشخصية، وطريقة الوصول إلى التفاهم، وتنمية القدرات الفكرية.

2- التربية بتعبير الرؤيا.

3- التربية بالحوار.

4- التربية بالقصة الواقعية الحقيقية.

5- التربية بالتنبيه من خطورة عاقبة الفعل والمخالفة.

6- التربية بزرع التوبة بعد حصول الخطأ.

7- التربية بتعرف نعمة الله على العبد بدلاً من حسد الآخرين.

8- التربية بالصدق إذ هو المنجاة من المآزق.

9- التربية على بر الوالدين.

10- التربية على الصفح عن الخطأ.

11- التربية بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ورفعهما كشعارات تربوية عملية. نحو شعار جامعة الكويت الآية: (وقل رب زدني علماً)

12- التربية بالنموذج الحي من حياة الأنبياء والمرسلين.

13- التربية بزرع الأمل والتفاؤل وعدم اليأس والقنوط.

14- التربية بالعدل إذ هو سيد الأحكام.

15- التربية على التواضع حتى لو كان في سدة الحكم.

16- التربية بالدعوة إلى الله تعالى مهما كانت الظروف قاسية.

17- التربية نحو الالتجاء إلى الله ودعائه لمواجهة الكرب والبلاء والباطل.

18- دور الأب في الولاية حيث لاحظنا أن دور يعقوب قد شغل القصة كلها، ولم تذكر الأم إلا في النهاية (ورفع أبويه على العرش) بينما نجد في قصة سيدنا موسى دور أمه في رضاعته، ولم يذكر دور والده، وهذا يؤكد من دور الأم في الحضانة ودور الأب في الولاية. فإذا أخل أحدهما أو كلاهما بدوره، ذاقا ويلات ذلك عند كبر الابن في الانحراف والعقوق.

19- وإن في خروج يوسف من السجن ورجوعه إلى والديه وإخوته لأمل في خروج أسرى الكويت وأسرى المسلمين من سجونهم وعودتهم إلى أهلهم وذويهم إن شاء الله تعالى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

[1] )  وقد حصل مثل ذلك لفتية الكهف حيث هربوا مما خافوا منه، وهو بطش الحاكم، وشاءت حكمة الله أن يظهر سريتهم ومخبئهم فقال:

(وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا(19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا(20)وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا(21) سورة الكهف. فجعل الله تعالى تخطيطهم لإظهارهم على الملأ وهو مما كانوا يحذرونه ويخافونه لظنهم حسب علمهم بأن الطاغوت ما زال حياً.

واستجد هذا الأمر كذلك في بدر إذ كان تخطيط الرسول صلى الله عليه وآاه وسلم وصحابته هو العير وليس القتال، فإذا هم مواجهة القتال، فلا يقدرون على العير، وإنما يحصلون على النصر والغنيمة، أي يحصلون على ما لا يتوقعون من فضل الله بالنصر المبين غير المتكافئ في العدد ولا العدة، ثم يحصلون على أفضل من العير وهو الغنيمة عن جدارة واستحقاق، بدلاً من ظهورهم أمام العرب بأنهم قطاع طريق، وإنما أصحاب مبادئ، وهكذا تكون رعاية الله للدعوة مع الصادقين المخلصين:

(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ(5)يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ(6)وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(7)لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ(8) سورة الأنفال.

[2] ) ويتكرر نفس المشهد لرعاية الله تعالى لرسله وأنبيائه في طفولتهم فهذا سيدنا موسى ينجيه الله تعالى من فرعون الذي أعلن عن قتل جميع المواليد ذكوراً، فإذا بتدبير الله يسوق الطفل الرضيع، المتعلق قلب أمه به، وأخته تراقبه من بعد وهو يسير في قارب يصغير تلتقطه أيدي زبانية فرعون :

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ(7)فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8)وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(10)وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ(12)فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14) سورة القصص. نفس المشهد ونفس الرعاية الإلهية لرسله صلوات الله عليهم، وكذلك رعاية الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو ابن الذبيحين سيدنا إسماعيل الذي نجاه الله من الذبح بفدائه بذبح عظيم، ووالده عبد الله الذي نجاه الله بفدائه بمئة من البعير، فكان سيدنا محمد ابن الذبيحين، وهذا من كمال رعاية الله تعالى لنبينا عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

[3] ) أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق في مصنفه وابن حبان في صحيحه

[4] ) ولدى استعراض الآيات القرآنية، وجد أن علاج ذلك يكون:

1- بذكر الله تعالى وطاعة الرحمن:

قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ(91) المائدة.

قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201) الأعراف.

وقال الله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ(19) المجادلة.

2- واختيار الكلمة الحسنة الطيبة:

قال الله تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا(53) الإسراء.

3- الاستعاذة بالله تعالى دائماً:

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200) الأعراف.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.