زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم تبرئة من النفاق

زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم

تبرئة من النفاق

بقلم محمد نور سويد

يسعى المؤمن الصادق دائماً لفحص إيمانه وسلوكه لتجنب صفة النفاق، ويفحص إيمانه بعرضه على القرآن والسنة النبوية في التعرف على هذه الهوية القبيحة، والمرض الذي عقابه أسفل درك في جهنم، ومن تلك الصفات للمنافقين رفضهم لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم، بشتى الحجج والأوهام التي يزينها لهم الشيطان، سواء كان حياً أو بعد انتقاله للرفيق الأعلى: (.. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء:64)

فالآية واضحة بلفظة (جاءوك) فلا بد من المجيء إليه صلى الله عليه وسلم وطلب الاستغفار عنده ، لأن القرآن صالح لكل زمان ومكان:

ففي المغني لإبن قدامة المقدسي رحمه الله ج3 ص558 قال بعد أن يتلو الزائر قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يلي:

وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعا بك الى ربي فأسألك يارب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم أجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين،وأكرم الأخرين و الأولين ، برحمتك يا أرحم الراحمين).

وهنا يبرز دور النفاق في الصد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فتلتوي الأعناق، وتتشدق الأفواه المنافقة كما صورته الآية الكريمة:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) (المنافقون:5)

وفي تفسير ابن كثير ج: 4 ص: 370: (يقول تعالى مخبراً عن المنافقين عليهم لعائن الله أنهم(َإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ) أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارًا عن ذلك واحتقاراً لما قيل، ولهذا قال تعالى: (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).اهـ.

إن القلوب المؤمنة تهفوا أفئدتها لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) وطلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه وسلم (يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) ويستغفر فعل مضارع يبقى إلى يوم القيامة حتى انتهاء شفاعته صلى الله عليه وسلم.

والحذر الحذر من عدم الإيمان بالآيات القرآنية واتباع المنافقين الذين يصدون عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بجدلهم المعروف المكشوف كما فضحهم القرآن: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (الأنعام:25).

وقد عمل المنافقون في القديم والحديث مسجد ضرار ليصدوا الناس عن زيارة ولقاء الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن في كشف مؤامراتهم تلك، وفضحهم شر فضيحة، وأبان عن نفاقهم وكرههم للرسول صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة:107).

ففي الدر المنثور للإمام السيوطي رحمه الله: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فأتي بجنده من الروم فأخرج محمدا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله لا تقم فيه أبدا).

وقال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير: قال أهل التفسير لما اتخذ بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فصلى فيه حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وكانوا من منافقي الأنصار فقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله فيصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية وتنصر فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عاداه فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن أعدوا من استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا فاني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند الروم فأخرج محمدا وأصحابه فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا –وذكرهم- وقال مقاتل: الذي حلف مجمع وقيل كانوا سبعة عشر فلما فرغوا منه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد ابتنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة وإنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه، فدعى بقميصه ليلبسه فنزل عليه القرآن وأخبره الله خبرهم فدعا معن بن عدي ومالك بن الدخشم في آخرين وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريباً…

والضرار: بمعنى المضارة لمسجد قباء.

وكفرا بالله ورسوله وتفريقا بين المؤمنين: لأنهم كانوا يصلون في مسجد قباء جميعا فأرادوا تفريق جماعتهم.

والإرصاد: الانتظار فانتظروا به مجيء أبي عامر وهو الذي حارب الله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار.

(وليحلفن إن أردنا): أي ما أردنا إلا الحسنى أي ما أردنا بابتنائه إلا الحسنى.

(لا تقم فيه): أي لا تصل فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى أي بني على الطاعة وبناه المتقون من أول يوم أي منذ أول يوم.

(فيه رجال يحبون أن يتطهروا): سبب نزولها أن رجالا من أهل قباء كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية قاله الشعبي، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الذي أثنى الله به عليكم فقالوا إنا نستنجي بالماء، فعلى هذا المراد به الطهارة بالماء، وقال أبو العالية: أن يتطهروا من الذنوب

والبنيان: مصدر يراد به المبني والتأسيس إحكام أس البناء وهو أصله والمعنى المؤسس بنيانه متقيا يخاف الله ويرجو رضوانه خير أم المؤسس بنيانه غير متق قال الزجاج وشفا الشيء حرفه وحده..

والجرف: ما يتجرف بالسيول من الأودية.

والهائر: الساقط، ومنه تهور البناء وانهار إذا سقط….

(فانهار به): أي بالباني في نار جهنم، قال الزجاج: وهذا مثل والمعنى أن بناء هذا المسجد كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها…

(لا يزال بنيانهم): يعني مسجد الضرار الذي بنوا.

(ريبة في قلوبهم) وفيها ثلاثة أقوال:

أحدها شكا ونفاقا لأنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه قاله ابن عباس وابن زيد

والثاني حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه قاله ابن السائب ومقاتل

والثالث أن المعنى لا يزال هدم بنيانهم حزازة وغيظا في قلوبهم قاله السدي والمبرد

(إلا أن تقطع قلوبهم) .. ثم في المعنى قولان

أحده:ما إلا أن يموتوا قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة في آخرين

والثاني: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم ذكره الزجاج

*****

إن كل من يصد الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، ويقلل من شأنه في نفوس الناس، هو من المنافقين، والله شهد بذلك كما أوضحته الآيات القرآنية السابقة، والآية التالية:

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون:1).

فإذا استقر في قلب المؤمن زيارة الرسول الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم، فقد وجب في حق الزائر أن يتعرف إلى الآداب في كيفية الدخول عليه، وتحيته بالرسالة (يا رسول الله) والسيادة (يا سيدي رسول الله) فهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، والله تعالى حذر من مساواته بمثل خطابنا لبعضنا البعض، فقال سبحانه: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً..) (النور:63)

والحذر من صفات المنافقين بعدم التحية اللائقة به صلى الله عليه وسلم:

(وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (المجادلة:8).

فالله حياه وخاطبه: يا ايها النبي..يا أيها الرسول..ولم يخاطبه باسمه بتاتاً، فعلى المؤمن أن يحي الرسول صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة.

والحذر الحذر من طبع الأعراب الذين ينادونه باسمه (يا محمد) بدون ذكر الرسالة (يا رسول الله) أو بدون ذكر السيادة (يا سيدي يا رسول الله) صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وقوله تعالى عن سيدنا يحيى (وسيداً وحصوراً)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (قوموا لسيدكم أي معاذ بن جبل) وقول سيدنا عمر رضي الله عنه: أبو بكر سيدنا، واعتق سيدنا –أي بلال-) رضي الله عنهم..

والحذر من رفع الصوت عنده لقوله تعالى محذراً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات:2)

وإن أقل المكوث عنده صلى الله عليه وسلم الصلاة أربعين صلاة في مسجده الشريف والتي تساوي ثمانية أيام، فهي دورة إيمانية من ثمانية أيام يتم فيها الصلوات الخمس في مسجده الشريف، لا تفوته الجماعة الأولى، لأخذ شهادة نبوية للمصلي، واستحقاق وسام الشرف من الدرجة الأولى من الرسول صلى الله عليه وسلم بأخذ شهادة براءة من النفاق وبراءة من النار:

ففي مسند أحمد بن حنبل- ومن مسند بني هاشم-مسند أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه – حديث:‏12356‏

عن أنس بن مالكt عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى في مسجدي أربعين صلاة ، لا يفوته صلاة، كتبت له براءة من النار ، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق)، ورواته ثقات، ورواه المعجم الأوسط للطبراني- باب العين-باب الميم من اسمه : محمد – حديث:‏5548‏ .

وقد أجمعت الأمة كلها على زيارته صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، فلا تجد كتاباً فقهياً إلا وذكر في نهاية مناسك الحج: (باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم).

وقفات مع سدنة القبر الشريف:

تجد عند زيارة القبر الشريف قد وضع عدة أشخاص مع بعض الجنود لتنظيم عملية الزيارة والمملكة مشكورة في فعلها هذا للمحافظة على الهدوء وتنظيم مرور المارة، والحفاظ على الأمن، إلا أن بعضهم يمارس أموراً نراها مخالفة لما عليه جمهور الأمة وهي:

1- منع الناس الجالسين وبعض الواقفين من التوجه نحو القبر الشريف، مستدلين بالتوجه نحو القبلة، ويزعمون أنه السنة، والجواب عليهم ما يلي:

آ- يتدخل بعض السدنة بما يحمله بعض الناس من أدعية فيأتون إليهم فيأخذونها منهم ويقرؤونها، ويقولون لهم إن فيها شركيات، والجواب:

إن التدخل في خصوصيات الناس لا يجوز، وأخذ الكتب والأدعية منهم عنوة لا يجوز لما فيه من الغلظة والفظاظة ومخالف لقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ (159) سورة آل عمران، وهو فعل مستقبح لم تسلكه الأمة في تاريخها، وسوء الظن بالمسلمين وتجسس عليهم وهو مخالف لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا .. (12) الحجرات.

ب- أجمعت الأمة في كتبها وزياراتها للقبر الشريف على استقبال القبر الشريف والسلام والدعاء عند القبر وكلمة الإمام مالك للخليفة أبي جعفر المنصور عندما سأله: أأستقبل القبر أم القبلة، فقال الإمام مالك: يا أمير المؤمنين استقبل القبر، فإنه وسيلتك إلى الله يوم القيامة، وتضعيف الشيخ الألباني رحمه الله للقصة، لا يقوى في مواجهة إجماع الأمة واشتهار الخبر، كما أن خطيب الجمعة يخطب متجهاً إلى الناس مخالفاً لاتجاه القبلة، وفي ركن من أركان الخطبة، وكذلك المدرس يدبر القبلة ويتوجه للناس في المسجد.

وقد حضر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لزيارة الرسول صلى الله عليه وسلم واستقبل القبر الشريف ودعا فلم يتكلم أحد منهم خوفاً ورهبة؟! وإليك صورته في زيارته رافعاً يديه داعياً الله تعالى مستقبلاً حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان فعله بدعة فلماذا لم ينصحوه؟!!، وإن كان فعله جائزاً فلماذا تمنعون المسلمين من فعله!!!!.

وإليك فتوى الشيخ ابن عثيمين

أقول هذه الفتوى من الغلو، ولم يقل بها أحد من علماء الأمة المسلمة قبل القرن السابع فهل الأمة المسلمة وعلماؤها أصبحوا مشركين ومبتدعين؟ معاذ الله، وإليك بعض البيان لحل إشكالية موقف ابن عثيمين ومن تابعه مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

  • إن الأمة كلها أجازت التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً، وأول كلمة قاله سيدنا أبي بكر رضي الله عنه عندما دخل عليه ورآه ميتاً: (طبت حياً وميتاً يا رسول الله) فهل خطابه يعتبر شركاً حسب الفتوى أعلاه؟ معاذ الله..
  • قول سيدنا عمر رضي الله عنه: ففي صحيح البخاري- كتاب المناقب- باب ذكر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه – حديث:‏3528‏- و كتاب الجمعة- أبواب الاستسقاء-باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا-حديث:‏978‏: عن أنس رضي الله عنه ، أن عمر بن الخطاب ، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : ” اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ” قال : فيسقون”، فقوله: (إنا كنا يعني الفترة الماضية وحتى تاريخه، وقوله: بعم نبيك: أثبت التوسل بقرابة الحي بالميت فبقي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أضاف سيدنا عمر رضي الله التوسل بالقرابة النبوية، والله أعلم.
  • أول من رفع لواء التفرقة بين حياته وموته صلى الله عليه وسلم هم مانعوا الزكاة، وحاربهم الصحابة رضوان الله عليهم على هذه التفرقة التي بنوا عليها حكماً مخالفاً للشريعة بعدم دفع الزكاة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وبقيت الأمة المسلمة لاتميز بين حياته وموته إلى أن أتى من أنشأ الخلاف في التوسل في القرن السابع، وخلافه لا يعتد به لأنه مخالف لإجماع الأمة قروناً ماضية.
  • يكفي تشهّد المؤمن في الصلاة قوله([1]): (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) كما رواها البخاري في صحيحه باب الصلاة، فهل يخاطب المصلي في الصلاة الميت؟!!!:

ففي صحيح البخاري- كتاب الاستئذان- باب : السلام اسم من أسماء الله تعالى – حديث:‏5885‏: عن عبد الله ، قال : كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام على الله قبل عباده ، السلام على جبريل ، السلام على ميكائيل ، السلام على فلان وفلان ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ، أقبل علينا بوجهه ، فقال : ” إن الله هو السلام ، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل : التحيات لله ، والصلوات ، والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم يتخير بعد من الكلام ما شاء “، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض)، دل دلالة واضحة بينة لا لبس فيها السلام على الأموات داخل الصلاة، لأن سكان السماء الأنبياء والرسل والمتوفين كما في خبر المعراج، وسكان الأرض من الأحياء والأموات، فمن باب أولى جوازه خارج الصلاة، والله أعلم.

5-بل إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  عندما يزور مقبرة البقيع يقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) [رواه صحيح مسلم- كتاب الطهارة- باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء – حديث:‏393‏ فهل يخاطب الرسول عدماً أم أحياء في قبورهم حياة برزخية؟!!

6-وهل انتفت صفة الرسالة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بانتقاله ووفاته، حتى نميز بين حياته وبعد موته؟!!!. معاذ الله، وهل معنى الشهادتين (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) إلا اليقين الكامل الذي لا ريب فيه؟!، كأن يقينه مثل حالة المشاهد بأم عينيه؟!!، فهل نطقهما إلا تأكيد استمرار حياته البرزخية الخاصة به عليه الصلاة والسلام!!.

7-ولماذا فرحت سيدتنا فاطمة رضي الله عنها عندما بشرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنها أول أهله لحوقاً به، إلا لمعنى الحياة البرزخية، واللقاء الروحي فيها بين الأموات وفرحهم ببعضهم البعض:

ففي صحيح البخاري- كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام – حديث:‏3446‏: عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مرحباً بابنتي ” ثم أجلسها عن يمينه ، أو عن شماله ، ثم أسر إليها حديثا فبكت ، فقلت لها: لم تبكين ؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت ، فقلت : ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن ، فسألتها عما قال : فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألتها، (وفي رواية: ما حملك) فقالت : أسر إلي : ” إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة ، وإنه عارضني العام مرتين ، ولا أراه إلا حضر أجلي ، وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي”، فبكيت، فقال : ” أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ، أو نساء المؤمنين ” فضحكت لذلك.

وكذلك هناك حوار بين الله تعالى والمتوفى، وليس حياة البرزخ عدماً، وغنما هناك مناجاة من المتوفى لله تعالى:

8- أليس الرسل والأنبياء الذين التقى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم في المسجد الأقصى، وصلى بهم إماماً دليل الحياة البرزخية، والروح تناجي الله تعالى، وتكلم الحي مع الميت بإذن الله تعالى:

ورد في صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله  – صلى الله عليه وآله وسلم- (أتيت لية أسري بي على موسى قائماً يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر).

قال ابن حبان في صحيحه- كتاب الإسراء- ذكر الموضع الذي فيه رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم موسى – حديث:‏50‏: (فرآه  صلى الله عليه وآله وسلم  يدعو في قبره إذ الصلاة دعاء، فلما دخل  صلى الله عليه وآله وسلم  بيت المقدس وأسري به، أسري بموسى حتى رآه في السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام) انتهى .

فأصبح لدينا روايتان: قائم في قبره يصلي، ويدعو في قبره، وكلا الروايتان تدلان على عمل الروح في البرزخ، وهو الدعاء، فما دام الميت يسمع كلام الحي، والميت يدعوا الله تعالى ويستغفر للأحياء فلم يبق أي إشكال في مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم والطلب منه الاستغفار كما أخبر تعالى: (جاؤوك..واستغفر لهم الرسول ..) والله أعلم.

وقال البيهقي في كتابه (حياة الأنبياء بعد وفاتهم 1/84): وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة المعراج أنه لقيهم في جماعة من الأنبياء في السموات وكلمهم وكلموه وكل ذلك صحيح لا يخالف بعضه فقد يرى موسى عليه السلام قائما يصلي في قبره ثم يسرى بموسى وغيره إلى بيت المقدس كما أسري بنبينا فيراهم فيه ثم يعرج بهم إلى السموات كما عرج بنبينا فيراهم فيها كما أخبر، وحلولهم في أوقات بمواضع مختلفات جائز في العقل كما ورد به خبر الصادق وفي كل ذلك دلالة على حياتهم، ومما يدل على ذلك: عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه  قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم؛ وفيه قبض؛ وفيه النفخة؛ وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ، قالوا: و كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يقولون: بليت، فقال: إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام أخرجه أبو داود السجستاني في سننه وله شواهد ثم ذكرها) انتهى كلام البيهقي رحمه الله تعالى.

9- تنطلق فتوى ابن عثيمين رحمه الله ومن ذهب مذهبه كون الميت لا ينفع الحي، ونجيب على هذا الزعم بما يلي:

  • إن سيدنا موسى عليه السلام وهو ميت أفاد الأمة المحمدية في حادثة المعراج حيث طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يرجع ويسأل ربه التخفيف حتى وصلت من خمسين صلاة إلى خمس صلوات في اليوم والليلة؟ فثبت نفع الميت للحي في أعظم ركن من أركان الإسلام وهو الصلاة..
  • إن قميص سيدنا يوسف عليه السلام ميت، ومع ذلك رد بصر الحي كما أخبر الله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) ونلاحظ من الآية أنه لم يقل سيدنا يوسف بإذن الله تعالى، لأنه ما دام قد صدر القول من مؤمن بالله تعالى فهو يعتقد أن كل شيئ يجري في الكون بإذن الله تعالى.. وبالفعل ارتد بصر والده سيدنا يعقوب عليه السلام كما أخبر الله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البَشِيرُ أَلقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (96) (سورة يوسف).
  • إن الله تعالى أخبرنا أنه أحيا ميت بضرب ميت: (فَقُلنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) سورة البقرة.
  • إن جسم الإنسان لا يعيش إلا على الميت: فيأكل اللحم بعد ذبح الحيوان، ويأكل الفاكهة والخضروات بعد قطفها أي بعد موتها.
  • إن الكفار يعتقدون بعدم نفع الميت في شيء كما أخبر الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ (13) (الممتحنة)، فليختر القارئ الكريم أتبع القرآن والسنة أم يتبع مذهب عقيدة الكفار؟

 

10- وكذلك يوجد حياة للشهداء في قبورهم؟!:

ففي سنن الترمذي  الجامع الصحيح- الذبائح- أبواب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- باب: ومن سورة آل عمران- حديث:‏3019‏:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: “يا جابر ما لي أراك منكسراً؟”، قلت : يا رسول الله استشهد أبي، وترك عيالاً ودَيْنَاً ، قال : “أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك”؟، قال: بلى يا رسول الله!، قال: “ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً، فقال: يا عبدي تمن علي أعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون”، قال: وأنزلت هذه الآية: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)(آل عمران). هذا حديث حسن غريب.

11- وحياة الصالحين في البرزخ فيها استغفار ودعاء للأأحياء:

فروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا).

أخرجه ابن حنبل والطيالسي في مسنده، وأورده ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: (وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ ..) (التوبة:105)، وضعفه الألباني، لكن له عدة طرق فيرتقي لحسن لغيره، وقام أحدهم باختصار تفسير ابن كثير وحذف رواية الحديثين الشريفين!!! فأين التمسك بالسنة!!!، وأين الأمانة العلمية!.

وفي السنن الصغرى- كتاب الجنائز-أرواح المؤمنين-حديث:‏2063: عن حذيفة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله ، فلما حضرته الوفاة قال لأهله : إذا أنا مت فأحرقوني ، ثم اطحنوني ، ثم اذروني في البحر ، فإن الله إن يقدر علي لم يغفر لي ، قال : فأمر الله عز وجل الملائكة فتلقت روحه ، قال له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : يا رب ، ما فعلت إلا من مخافتك ، فغفر الله له “.

***

(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ..) (الكهف:29).

 

[1]) من المعلوم أن فقه الإمام البخاري رحمه الله في عناوينه ففي الجامع الصحيح  للإمام البخاري  ج 1/ 286، بَاب التَّشَهُّدِ في الآخِرَةِ.

تعليقان (2) على “زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم تبرئة من النفاق

  1. السلام عليكم ٠ موضوع طيب مبارك ولكن اريد ان استفسر حول الحديث رقم(11 ) حول عرض اعمالنا عل عالم البرزخ: هل الارواح تأتي بأمر من الله ام بأمر من البشر؟ هل تحضر روح رسولنا الكريم عل الصالحين وتكلمهم؟
    جزاكم الله خيرا٠

  2. السلام عليكم ٠ موضوع طيب مبارك ولكن اريد ان استفسر حول الحديث رقم(11 ) حول عرض اعمالنا عل عالم البرزخ: هل الارواح تأتي بأمر من الله ام بأمر من البشر؟ هل تحضر روح رسولنا الكريم عل الصالحين وتكلمهم؟
    جزاكم الله خيرا٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.