دفاع عن السنة النبوية : هل يجوز إنكار حديث نبوي لمخالفته العقل؟

دفاع عن السنة النبوية

هل يجوز إنكار حديث نبوي لمخالفته للعقل؟!

بقلم: محمد نور سويد

لا يوجد دين أو مبدأ أعطى العقل دوره مثل الإسلام، ولا يوجد كتاب خاطب العقل مثل القرآن، ولا يوجد رجل أو نبي أو رسول حض على استخدام العقل مثل سيدنا محمد r الرجل الأمي، والأدلة كثيرة جداً وجداً.

إذ يكفي أن تعلم الإحصائية التالية التي قمت بها على الحاسب الآلي لترى الحقيقة الناصعة التي نطق به القرآن:

وردت كلمة العلم ومشتقاتها في القرآن 854 مرة.

وردت كلمة الألباب ومشتقاتها في القرآن 16 مرة.

وردت كلمة التفكر ومشتقاتها في القرآن 18 مرة.

وردت كلمة قرأ ومشتقاتها في القرآن 88 مرة.

وردت كلمة يتدبر ومشتقاتها في القرآن 44 مرة.

وردت كلمة يتذكر ومشتقاتها في القرآن 292 مرة.

وردت كلمة يعقل ومشتقاتها في القرآن 49 مرة.

وردت كلمة ينظر ومشتقاتها في القرآن 129 مرة.

وردت كلمة يبصر ومشتقاتها في القرآن 148 مرة.

وأنت تعلم أن مناط التكليف هو العقل، فمن فقد عقله سقط عنه التكليف.

ودور العقل هو البحث في الموجود، والتأكد من صحة الماضي والاعتبار به، والاستعداد للحاضر والمستقبل.

ودور العقل في الفقه الإسلامي مفتوح من أوسع أبوابه، وهذا يعرفه القاصي والداني، فمكانة العقل في الإسلام لا يستطيع أحد أن يزاود عليها أو أن ينال منها بشيء.

أما أن تستخدم فكرة (التفكير والعقل) في التضليل والتشكيك والإلحاد فهذا تحريف لمكانة التفكير والعقل، واستخدام في غير مكانه، فضلاً عن الجنون الذي يرفضه جميع العقلاء.

واستخدام فكرة التفكير والعقل من أجل التضليل، مثل استخدام فكرة (تحرير المرأة) بواسطة إبعادها عن منهج الله تعالى لتعرية جسدها أو تحريضها على الإنفلات الجنسي باسم التحرير والتطوير والتقدم والمعاصرة وأنها نصف المجتمع!!.

وأصبحت المعاني معكوسة، والأفكار متضادة وكل ذلك سنتناوله إن شاء الله بالبيان: بحجة النقل للمؤمنين وحجة العقل للمعاندين.

بقي أن نعرف ما هو موقف العقل عندما نجد حديثاً نبوياً مخالفاً له؟ وكيف نتعامل معه؟

لا بد في بادئ ذي بدء أن نتعرف إلى المقصود من كلمة العقل؟  فهل هو عقلي وعقلك وعقل فلان وفلان؟ أم هو شيء آخر؟ ثم نتعرف على نوعية المخالفة له.

أقول إن العقل المقصود به هو مجموع عقول العقلاء من أهل الاختصاص في المسألة التي يتحدث عنها الحديث النبوي، فإن كان الحديث يبحث في الطب، فإجماع الأطباء يكون هو المقصود بالعقل، وإن كان الحديث النبوي يبحث في أمر اجتماعي فإجماع علماء الاجتماع هو المقصود بالعقل، وإن كان الحديث النبوي يبحث في التشريع فإجماع علماء التشريع هو  المقصود بالعقل، وهذا معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية t: (صحيح المعقول لا يتعارض مع صحيح المنقول).

وبذلك يخرج العقل غير المتخصص ليفتي في مسألة تخصصية، وكذلك يخرج اختلاف أهل الاختصاص عند وجود اختلافهم، لأن منهم مؤيد ومنهم معارض، فيبقى الحديث النبوي مؤيداً من عقول بعض المتخصصين، ومعارضاً للبعض، وهذا لا يلغي العمل بالحديث النبوي.

وأما في حالة إجماع أهل الاختصاص في مسألة ما على استحالة معنى الحديث النبوي، فهنا ننظر في معنى الحديث:

        – هل هو مما يحصل في التجارب البشرية؟:

– فإن كان نعم، توقف العمل بالحديث النبوي إلى أن تستجد وسائل جديدة تلغي الإجماع السابق، أو يكون لمعنى الحديث النبوي معنى مخالف لإجماع أهل التخصص فيبحث عنه.

– وإن كان مجرد عقل فلان لم يرق له المعنى في الحديث النبوي فهذا لا يُسقط العمل بالحديث النبوي، لأن العقل الفردي لا اعتبار له أمام عقول المجموع في مسألة تخصصية تجريبية تأبى التفرد بالرأي.

        – وإن كان الحديث النبوي مما هو خبر عن غيب:

فلو أجمعت الدنيا على استحالته، فإننا نقول ونعتقد بحصوله ووقوعه ولو بعد حين إن كان الحديث صحيحاً، وموقفنا هو موقف أبي بكر الصديق t من حادثة الإسراء والمعراج وهو التصديق الكامل لإخبار رسول الله r ، وهو نفس موقف علي t عندما قال: لو كان الدين بالرأي والعقل لكان مسح الخف من أسفله أولى من أعلاه.

ويبرز بين الفينة والأخرى على مدار التاريخ من يدعي أن العقل يرفض خبراً نبوياً، أو تشريعاً نبوياً بحجة مخالفته لعقله، وقد بينا أن المقصود من مفهوم العقل في الإسلام هو إجماع العقول المتخصصة، لأن غير المتخصصة تكون عابثة في المعاني، وتحتاج إلى مقدمات وعلوم الآلة، أو العلوم الأساسية المادية للفهم.

فإنكار الأديب لمعادلة رياضية لم يستطع عقله استيعابها لا يعني إبطال التعامل مع المعادلة الرياضية، كما أن إنكار الرياضي للمجاز لبيت شعر لم يرق لعقل الرياضي لا يعني إبطال المجاز، وإنكار الإثنين الأديب والرياضي لحركة الدورة الدموية، لن يبطل وجود الدورة الدموية، وإنكار الجميع بعدم وصول المركبات الفضائية إلى سطح القمر، لن يبطل حقيقة الوصول إلى القمر.

أي إن إنكار عقل غير المتخصص في مسألة تخصصية ليس له قيمة علمية تحترم، وبذلك يمكن القضاء على الفوضى العلمية، والفوضى الدينية، والفوضى الاقتصادية، بل والفوضى في كل شؤون الحياة.

وموقف عقل المسلم من القرآن والسنة هو الإيمان والتصديق بأخبارهما السابقة والمستقبلية لأن ذلك يمثل عقيدة المسلم.

وأما آيات الكون فقد حض القرآن والسنة على التفكير في كل شيء من حول الإنسان، وأن يكون إيمانه راسخاً فيزداد نوره بالطاعة والتأمل الفكري، وقد بينا في الإحصائية السابقة دور القرآن في حض العقل على التدبر والتأمل والتفكر في كل شيء حوله.

وأما آيات التشريع، وهي آيات الأمر والنهي التي تنظم السلوك البشري وشهوات الإنسان، فمنها المعلل الذي يدور مع علته، فهي تفتح طريق التفكير من أوسع أبوابه، ومنها الثابت الذي لا يتغير، ولكن يتغير حكمه بين السقوط والتكليف والقضاء بحسب حالة الشخص نحو الفطر للمسافر، وسقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، وحالة من يقع في المشقة فتجلب له التيسير، وهذا يمثل قمة الرحمة بالمكلف، يتقدمه قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (185) سورة البقرة.

***

واليوم بدأت حملة التشكيك بالسنة وتحريف معاني القرآن تظهر سمومها، تارة بمخالفة الحديث النبوي للعقل، وتارة بأنه مخالف للقرآن، وثالثة بأنه كتب في عهد بعيد عن الرسول r، ورابعة بأن بني أمية حرفوا وكتبوا ما راق لهم من الأحاديث النبوية، وكأن السنة التي بين أيدينا مجموعة من خيال الكتّاب، أو ملفقة من قصاصين، أو مدسوسة على الرسول r‍‍ ‍‍!!

وسبب ذلك تصور المعارض والمنتقد حفظه واهتمامه بالعلم مثل أولئك الرجال الأبطال حفاظ سنة رسول الله r، ونسي المنتقد أن كتابة السنة تعتبر في ميزان العقل البشري والعلمي معجزة لا تستطيع الأمم جميعها في الحاضر والمستقبل أن تفعل مثلها.

ودقة علم الجرح والتعديل لدى علماء السنة في دراسة سند ومتن الحديث النبوي، لا تستطيع أية أمة من الأمم -في السابق واللاحق- أن تأتي بمثله، وأن تلتزمه في ميدان التطبيق العملي.

وانظر بعد قليل إلى دقة المحدثين في التفريق بين حدثنا وأخبرنا في رواية الحديث الذي رواه مسلم فذكر في السند: قال عَبْدٌ أَخْبَرَنَا وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا، والتي تدل الأولى على قراءة  التلميذ وسماع  الشيخ، بينما حدثنا حالة العكس، فأي دقة أعلى من هذه الدقة في التعبير عن حالة التلقي وطريقة سماع الحديث النبوي في التاريخ الماضي والمعاصر والمستقبل!!!.

ودليل آخر على ذلك أن التاريخ لم يحفظ لنا -من بين جميع الأمم- حياة رجل منذ طفولته إلى وفاته مثلما حفظه المسلمون عن رسولهم r بكل دقة، وبكل حب وإخلاص.

فحملة التشكيك بالسنة مرض عقلي، ووباء فكري، يصيب الحاقدين، ومذهب المجانين.

وإن شاء الله سنبين ذلك بالحجج النقلية والعقلية، وكلام العلماء، مستعيناً بالله تعالى، وطالباً من الأحبة الدعاء، وأبدأ بالحدث الساخن في هذه الأيام:

1- حديث موسى مع ملك الموت:

رد أحد الأطباء حديث البخاري الصحيح الذي يفيد ضرب الرسول موسى r لملك الموت مدعياً أن الحديث يخالف عقله، وقال بأن الحديث من الإسرائليات المدسوسة، -ذكر ذلك في قناة إقرأ الفضائية- وإليك بيان الجواب:

أولاً- روايات الحديث:

أخرج مسلم في صحيحه -فضائل الأنبياء- فقال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنَا وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ!، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ:

(ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ)،

قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟

قَالَ: (ثُمَّ الْمَوْتُ)،

قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ).

وأخرج مسلم في صحيحه -فضائل الأنبياء- فقال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهُ أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا،

قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: (ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً)،

قَالَ: ثُمَّ مَهْ، قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ،

قَالَ: فَالْآنَ، مِنْ قَرِيبٍ رَبِّ أَمِتْنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) قَالَ أَبُو إِسْحَقَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ.

وأخرج البخاري في صحيحه -كتاب الجنائز/ باب من أحب أن يدفن في الأرض المقدسة- فقال: حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ،

وَقَالَ: (ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ).

قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ،

قَالَ: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ.

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ).

وأخرج البخاري في صحيحه -كتاب أحاديث الأنبياء/باب وفاة موسى- فقال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ،

فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ.

قَالَ: (ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ)

قَالَ: أَيْ رَبِّ! ثُمَّ مَاذَا؟

قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ،

قَال:َ فَالْآنَ، قَالَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ).

قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ.

والحديث رواه كذلك النَّسائي وأحمد والبيهقي والطبراني وغيرهم.

ثانياً- ردود العلماء على المعترضين:

نقل النووي في شرحه على صحيح الإمام مسلم:

قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث، وأنكر تصوره، قالوا كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت؟ قال: وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة:

أحدها: أنه لا يمتنع أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم قد أذن الله تعالى له في هذه اللطمة، ويكون ذلك امتحاناً للملطوم، والله سبحانه وتعالى يفعل في خلقه ما شاء، ويمتحنهم بما أراد.

والثاني: أن هذا على المجاز، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة، ويقال: فقأ فلان عين فلان إذا غالبه بالحجة، ويقال: عورت الشيء إذا أدخلت فيه نقصاً.

قال: وفي هذا ضعف لقوله صلى الله عليه وسلم: ” فرد الله عينه ” فإن قيل: أراد رد حجته كان بعيداً.

والثالث: أن موسى صلى الله عليه وسلم لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد نفسه، فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه، لا أنه قصدها بالفقء، وتؤيده رواية (صكه)، وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين، واختاره المازري والقاضي عياض، قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه تعمد فقء عينه.

فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانياً بأنه ملك الموت؟

 فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم بخلاف المرة الأولى. والله أعلم .

وقال ابن حجر في شرحه  فتح الباري في شرح صحيح البخاري:

قال ابن خزيمة: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا: إن كان موسى عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه؟!.

والجواب: أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختباراً، وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدمياً دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن.

وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه.

وعلى تقدير أن يكون عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر؟ ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له؟

ولخص الخطابي كلام ابن خزيمة وزاد فيه: أن موسى دفعه عن نفسه لما ركب فيه من الحدة، وأن الله رد عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ. وقال النووي لا يمتنع أن يأذن الله لموسى في هذه اللطمة امتحاناً للملطوم.

وقال غيره إنما لطمه لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يخير، فلهذا لما خيره في المرة الثانية أذعن، قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب، وفيه نظر لأنه يعود أصل السؤال فيقال: لم أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ فيعود الجواب أن ذلك وقع امتحانا.

وزعم بعضهم أن معنى قوله: ” فقأ عينه ” أي أبطل حجته، وهو مردود بقوله في نفس الحديث ” فرد الله عينه ” وبقوله: ” لطمه وصكه ” وغير ذلك من قرائن السياق.

وقال ابن قتيبة: إنما فقأ موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست عيناً حقيقة، ومعنى رد الله عينه أي أعاده إلى خلقته الحقيقية، وقيل على ظاهره، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية ليرجع إلى موسى على كمال الصورة فيكون ذلك أقوى في اعتباره، وهذا هو المعتمد.

وجوز ابن عقيل أن يكون موسى أذن له أن يفعل ذلك بملك الموت، وأمر ملك الموت بالصبر على ذلك كما أمر موسى بالصبر على ما يصنع الخضر.

وفيه أن الملك يتمثل بصورة الإنسان، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث.) انتهى.

وقال السندي في شرحه على سنن النسائي بعد ذكره لأقوال من سبق:

(والأقرب أن الحديث من المشتبهات التي يفوض تأويلها إلى الله تعالى لكن أن أول فأقرب التأويل أن يقال: كأن موسى ما علم أولاً أنه جاءه بإذن الله بسبب اشتغاله بأمر من الأمور المتعلقة بقلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلما سمع منه أجب ربك أو نحوه وصار ذلك قاطعاً له عما كان فيه ولم ينتقل ذهنه بما استولى عليه من سلطان الاشتغال أنه جاء بأمر الله حركه نوع غضب وشدة حتى فعل ما فعل ولعل سر ذلك إظهار وجاهته عند الملائكة الكرام فصار ذلك سببا لهذا الأصل وأما قول الملك لا يريد الموت فذاك بالنظر إلى ظاهر ما فعل من المعاملة.

وأما قول موسى (ثم ماذا) فلعله لم يكن لشك منه في الموت بالآخرة بل لتقرير أنه لا يستبعد الموت حالاً إذا كان هو آخر الأمر مآلا وكون الموت آخر الأمر معلوم عنده فلم يكن ما وقع منه لاستبعاده الموت حالاً، وذلك لأنه حين انتقل إلى حالة اللين علم أن ما وقع منه لا ينبغي وقوعه منه، وكذا علم أن ما جاء به الملك عنده من قوله يضع يده إلخ بمنزلة الاعتراض عليه بأنه يستبعد الموت أو يريد الحياة حالاً فأراد بهذا الاعتذار عما فعل، وقرر أن الذي فعله ليس لاستبعاده الموت حالاً، إذ لا يجيء ذلك ممن يعلم أن الموت هو آخر أمره فصار كأنه قال: إن الذي فعله إنما فعله لأمر آخر كان من مقتضى ذلك الوقت في تلك الحالة التي كان فيها والله تعالى أعلم.) انتهى.

 

 مقالة 2/2 (ذكر الكاتب في العدد الماضي أدلة العلماء على المعترض على حديث ضرب سيدنا موسى عليه السلام لملك الموت والآن يزيد الباحث أدلة أخرى وحكماً كثيرة عن فائدة ورود ذلك الحديث الشريف من فم الرسول محمد r وعلاقة الأنبياء والرسل مع بعضهم البعض في تبليغ رسالة الله تعالى للبشر فالنتابع مع الباحث:

 

هذا ما ذكره العلماء الأفاضال -رحمهم الله تعالى- فيما سبق من ردود، وكأن المسألة قديمة، وأحب أن أضيف على ما سبق ما يلي:

1- هب أن الأمر كان المَلَك كان في حالته الملائكية وعرف سيدنا موسى أنه جاء قابضاً لروحه، كما في رواية عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عند أحمد والطبري ” كان ملك الموت يأتي الناس عياناً، فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه “.

فما الانتقاص الموجه لسيدنا موسى r ؟! وقد علمنا أن آدم رغب في شجرة الخلد وملك لا يبلى، كما أخبر الله تعالى.

أليس فيه دلالة بشرية سيدنا موسى r على حبه للحياة، بأن تعامل مع الموت كإنسان، وهل هناك مانع شرعي أو عقلي لحب الحياة؟! والله تعالى خلق هذا الحب.

أليس سيدنا محمد r عرَّفنا على جزء من حقيقة سكرات الموت فقال: (إن للموت لسكرات)، فهل الإقرار بحقيقة ذلك -والتي يقرها جميع الناس- يعتبر مثلبة أو انتقاصاً!!!.

ولكن رأينا أن الله تعالى أظهر أن موسى قد رضي بقبض روحه بعد تأكده أن الأمر من الله تعالى.

2- إن القرآن مملوء بإخبار الله تعالى عن بني إسرائيل، والتي بلغت أربعين آية بلفظ (بني إسرائيل)، وواحدة بلفظ (بنو إسرائيل)، وواحد وثلاثين آية بلفظ (أهل الكتاب)، ومئة وتسع وعشرون مرة ذكر اسم سيدنا (موسى) وستة عشر مرة ذكر اسم سيدنا (عيسى) فهل نلغي تلك الآيات لأنها تتكلم عن بني إسرائيل؟!!! ولأنها لم ترق لعقل فضيلة الدكتور أيضاً!!!.

3- إن الرسول r قد تحدث عن بني إسرائيل بحيث وصل عدد الروايات بلفظ (بني إسرائيل) 422 رواية -بإحصاء الحاسب الآلي- في الكتب التسعة، بل حض الرسول r الأمة على أن تتحدث عن بني إسرائيل بلا حرج، بما يوافق إخبار القرآن، فقال r: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) رواه البخاري والترمذي وأحمد والدارمي.

فهل نلغي تلك الآحاديث النبوية أيضاً لأنها تتكلم عن بني إسرائيل؟!! ولأنها لم توافق عقل الدكتور!!.

4- إن صلحاء بني إسرائيل -أتباع سيدنا موسى عليه السلام- جزء من تاريخ الأمة الإسلامية العريقة التي بدأت بآدم وانتهت بمحمد صلى الله عليهم أجمعين، فالقرآن بعد أن ذكر أخبار الرسل مع أقوامهم ختم ذلك بالآية: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(92) سورة الأنبياء.

وكذلك في سورة المؤمنون يذكر أخبار الرسل ثم يختم ذلك بالآية: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) سورة المؤمنون. فأمم الأنبياء والرسل المؤمنين منهم، هم امتداد الأمة الإسلامية الواحدة، فهل نعزل ذلك التاريخ لأنه لم يرق لعقل الدكتور الفاضل!!!.

5- إن معرفة تاريخ الرسل وأقوامهم إن لم نتلقاه من القرآن والسنة فممن نتلقاه؟! وعمن نأخذه؟!! ولا بد من الوصول إلى مصدر موثوق، فأي المصادر أوثق من القرآن والسنة لدى فضيلة الدكتور؟!!.

6- كثير من الأحداث والقضايا الفكرية تكون مرحلية، ولا تُفهم ولا تستوعب إلا في حينها، بحسب سياق الحدث والحاجة الحاصلة في حينها والوسائل المتاحة آنذاك، فإذا تغير الزمان أو المكان لم تكن مناسبة للجديد، فهل يعني عدم التناسب الإنكار الكلي؟ فإن كان الجواب بنعم، فسوف يؤدي لإنكار كثير من القضايا، بل وإنكار حقائق التاريخ اليومية، والتي سوف تنكر في المستقبل، وبالتالي سيصيب الفوضى كل أمر من الأمور، ولا تستقر الحقائق، ولا تتزن العقول، وإن كان الجواب بلا انتهى الأمر، لأن الله تعالى جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً:

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48) سورة المائدة.

فكل أمة يختبرها الله تعالى ويمتحنها بما أراد لها من الشريعة، فليس من العدل محاسبة من سبق بشريعة من لحق!!.

7- كثير من القضايا الثابتة لا تقرها بعض العقول لعدم وجود القاعدة الأصلية لدى تلك العقول، ومثال ذلك تصديق أبو بكر لإسراء ومعراج الرسول r لأنه يملك قاعدة التصديق برسالة الرسول r وإخباره عن الوحي، فمن يملك القاعدة يصدق بالتالي التي تليها، وحتى في القضايا العلمية، فمن لم يعرف المعادلات التفاضلية لا يستطيع أن يفهم المسائل الرياضية التكاملية والعقدية المتعلقة بها، وهكذا.

فالقصة الإخبارية يشترط لقبولها أمران: صدق المخبر، وصدق السند الموصل إلى صاحب الخبر.

وقد رأينا أصح كتب السنة قد روت قصة موسى مع ملك الموت، ولو أردنا أن نستعرض أقوال جهابذة علم الجرح والتعديل عن توثيقهم لرجال السند الذين رووا هذا الحديث لوجدنا أنهم أصدق وأنبل وأصلح من يروي، فالمسلم ليس أمامه إلا التصديق بها، حتى لو خالفت عقله، لأن الخبر الصادق ليس تجربة مخبرية حتى يجريها لكي يصدق به أو يكذبه.

فالعقل ليس هو الميزان الوحيد لتصديق الحقيقة، فكم من حقائق تخالف المنطق العقلي إلا أن العقل مقر بها رغم أنفه، ومثاله قصة حبة القمح في الشطرنج، ومثاله أيضاً لو قسمت ورقة سماكتها واحد مليمتر نصفين، والنصفين إلى أربع، وهكذا فعلنا خمسين مرة، فالعقل يقول أن السماكة ستصبح بضع أمتار، ولدى الحساب يكتشف العقل أن السماكة تبلغ بين الأرض والقمر، فإذا كان هذا في ميدان الحساب الرياضي المحسوس الملموس البسيط، فهذا دليل على أن العقل بحاجة إلى إخبار الوحي فيما وراء الغيب.

8- من خلال القاعدة -التي ذكرت في مقدمة البحث- أن العقل المقصود به في الشريعة هو إجماع عقول أهل الإختصاص على استحالة الأمر، عند ذلك يمكن إيقاف العمل بالحديث النبوي، لكن لم نجد ذلك في هذا الخبر النبوي، والذي هو معجزة لسيدنا محمد r يحدث عما حصل لسيدنا موسى فيما بينه وبين ملك الموت، فمن أعلم سيدنا محمد r بذلك سوى الوحي، فهل يكذب فضيلة الدكتور خبر الوحي؟‍‍‍‍‍!!.

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) سورة آل عمران.

(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49) سورة هود.

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ(102) سورة يوسف.

وكان الأجدر بالدكتور أن يطرح سؤالاً أوجه من تسرعه بالإنكار، ألا وهو ما هي الفوائد من ذكر ذلك الحديث النبوي؟، لأجبناه بما يلي:

1- إخبار الرسول r عن موسى كما ذكرنا معجزة للرسول r لأنه لم يطلع على التوراة وهي باللغة السريانية، والرسول r عربي أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فعند إخباره بذلك يبطل مزاعم اليهود الذين لم يؤمنوا بالرسول r وهي دعوة صريحة لهم بالإيمان برسالة محمد r.

2- تقرير الحالة البشرية لسيدنا موسى بضربه للملك، وهو الذي وكز رجلاً فقضى عليه.

3- أهمية الإستئذان في الحياة عامة، وبين أصحاب المراتب خاصة، فحالة الرسول أعلى رتبة من المَلك، فعلى الأدنى أن يسأذن الأعلى.

4- حلم الله تعالى وكرمه عن موسى بإعطائه الاختيار في زيادة عمره، إلا أن الموت سيكون النهاية، فيختار موسى الموت اختياراً، وهذا من رحمة الله ومزيد فضله لموسى، وقد يسأل أحدهم فكيف بتقدير الله تعالى الموت والحياة، ثم يعطيه الاختيار فما معنى ذلك؟!

والجواب بسيط جداً: إن إختيار موسى قبول الموت كشف علم الله السابق، وبعبارة أخرى ما يختاره العبد فعلاً ويفعله يكشف عندها لنا علم الله تعالى.

5- ضرب المثل في التعليم لتقريب الحقيقة، فقبض الشعر من ظهر الثور لاختيار عدد السنين التي يريد موسى بقاؤه في الحياة، يدل على أهمية ضرب المثل الحسي للإقناع في عملية التعليم، وهذا من فضل الله تعالى بضربه الأمثال في كتابه، لتقريب الحقائق والمفاهيم.

6- رجوع المَلك وشكواه عند الله تعالى يعلمنا بأن الله تعالى يرجع  إليه الأمر كله في الأرض والسماء، فلا أحد يخرج من قبضة الله تعالى.

7- شكوى المَلك مظلمته لله تعالى يعلمنا بأن المظلوم بحاجة إلى أن يبث شكواه لله تعالى، حتى ينصفه في الدنيا، أو السكوت لأخذ الأجر الوافر في الآخرة، كما يفيدنا بأن المَلك يعلم ظاهر الإنسان ولا يعلم نيته، فعلم ما في القلوب مختص به الله تعالى.

8- يفيد الحديث قدرة الملائكة على التشكل بأشكال الإنس، وهذا كثير في أخبار القرآن والرسول r، مما يوقظ الحذر والانتباه لدى المسلم التقي بكيفية التعامل مع الناس.

9- قبول سيدنا موسى خبر الموت في المرة الثانية، تعلمنا الرجوع إلى الحق، وعدم الإصرار على غيره، وهذا الرجوع إلى الحق يصدر من الرسول من أولي العزم، فمن غيره أوجب.

10- مبدأ تعلم وتعليم السؤال المهم جداً في كل قضية: (ثم ماذا؟) وهذا السؤال يختصر كثيراً من الجدل الماحك، كما يوفر كثيراً من الزمن الضائع في البحث، وقد ألف أحد علماء الرياضيات في روسيا -وترجم إلى  العربية – عنوانه (ثم ماذا؟) ذكر فيه أنه انتصر على جميع خصومه من العلماء في شتى ميادين المعرفة في الحوار بطرح السؤال: ثم ماذا؟ في الوقت المناسب، وذكر تلك الحوارات.

فموسى عليه الصلاة والسلام يعلمنا هذا المبدأ ( قَالَ: أَيْ رَبِّ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ). فالنظر في عواقب الأمر بالسؤال (ثم ماذا؟) يصحح المسار الفكري والسلوكي دائماً.

11- يعلمنا موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- الدعاء وأدبه مع الله تعالى: (فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ).

12- يعلمنا طلب موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- طلب الموت والدفن في الأراضي المباركة الصالحة، والابتعاد عن مساكن الكفار وأراضي الفسقة، والقرب من الصالحين في الدنيا وحياة البرزخ (حياة القبر) وقد وردت آثار بذلك.

13- يعلمنا الرسول r عن طريق وحي الله تعالى له مكان قبر أخيه موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أنه في (جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) من صحراء سَيناء،  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ)، وبذلك ندرك أهمية التعرف على أماكن قبور المرسلين والأنبياء والصالحين، لأن ذكر ومعرفة ذلك القبر، مزيد إثبات لوجودهم، والتعرف على مآثرهم، فتعريف الجيل الحالي بمكان قبور من سبق من الرسل والأنبياء والعلماء والصالحين سنة نبوية.

ويمكننا قول الحقيقة التاريخية بأنه لا يوجد قبر متوفى أكثر من ألف عام، معروف مئة بالمئة غير قبر سيدنا محمد r وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

14- قوله r (فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لَأَرَيْتُكُمْ) فيه جواز قول (لو كنت) في مكان كذا لفعلت كذا وكذا من الصالحات، لأن فيه شحذ الهمم لفعل العمل الصالح، وخاصة إذا صدر ذلك التمني من عالم أو فاضل، فإن فيه حث الآخرين على فعل الخير.

15- روي الحديث مرفوعاً وموقوفاً، وهذا كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا يتورعون من قول قال رسول الله r، لذلك تجد كثيراً من الأحاديث الموقوفة لها حكم الرفع لأنها لا تروى بالعقل، وكذلك كان بعض الصحابة يروي الأحكام الشرعية ولا يقول قال رسول الله r خشية أن يكذب على رسول الله بحرف واحد، و

هذا ما بدا لي بشأن الحديث النبوي، والتي هي محل إنكار من فضيلة الدكتور، وهذا الذي أبديته مساهمة متواضعة، وقد يأتي من يزيد، فالعلم بحر وفتح، والله أعلم وهو الهادي للصواب.

 

 

تعليق واحد (1) على “دفاع عن السنة النبوية : هل يجوز إنكار حديث نبوي لمخالفته العقل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.