الإبداع في الحرية، والحرية في الإبداع

بقلم محمد نور سويد

10/شوال/ 1433 هـ – 28/8/2012

إذا أردنا إبداعاً فعلينا أن نطلق الحرية إلى أبعد مداها الشرعي الممكن، وإذا أردنا حرية فعلينا أن نطلق مبادرات الابداع في تشكيلها إلى أبعد مداها الشرعي الممكن.

لخصها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وهو بالأمس القريب قد دفن ابنته في جاهليته، فإذا بالإسلام يقلبه رأساً على عقب.

وقوله (الناس) أي جنس الناس ويمكن عندها القول…

متى استعبدتم أولادكم (يطلق الولد على الذكر والأنثى) وتلاميذكم وموظفيكم وجنودكم وأتباعكم وشعوبكم وأزواجكم (يطلق الأزواج على الزوج والزوجة)  وخدمكم وسجناءكم وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً..

لكي تريد ولداً مبدعاً فأعطه الحرية.

لا تصبح شرطي مرور في بيتك تصدر أوامر: اذهب من هنا ولا تذهب من هناك.

ولا تصبح جلاداً في البيت تحمل عصا التاديب ظنا منك أنك تؤدب ولدك.

ولا تصبح السلطة العليا في البيت بكثرة أوامرك ونواهيك وتذكر أنك تخالف أمر الله وتأت بما نهى الله عنه وهو القادر عليك في كل آن.

افسح المجال للحوار لابداء الرأي الآخر فالحق لا يخاف من الباطل..

لا تجب طفلك إلا بعلم وإذا كنت لا تعرف الجواب فأعلمه بإفلاسك حتى يستمر البحث عن الجواب.

لا تظهر عضلاتك على طفلك وأظهر رحمتك وعطفك وعقلك الراجح

ولدك أمانة حتى يبلغ ثم يصبح مسؤولا عن نفسه

فإن أحسن كُتب لك أجره وإن أساء كُتب عليه وزره، وإذا لم تكن راعيا ومربيا له قبل بلوغه كتب عليك كذلك وزره.

حرر نفسك وعقلك حتى تستطيع من تحرير وإبداع طفلك.

كثير من العادات والتقاليد ورثناها تقيد عقل وإبداع الطفل نظنها حقا وهي باطلة.

حتى في حل مسائل الرياضيات والفيزياء والكيمياء كنت أبحث عن حلول أخرى فكان لدي لحل المسألة الواحدة خمسة حلول لكي لا أصبح أسيراً لطريقة واحدة للحل وتلك نشأتي العلمية أكسبتني قوة علمية.

وحتى في النحو أحب معرفة تعدد الآراء في إعراب الكلمة وصرفها، واختلاف المعاني لكلمات تبدوا للوهلة الأولى بمعنى واحد فإذا فيها فوارق عدة.

ولكي تصبح متحررا من العادات…. اعكس الاتجاه حتى لا تصبح أسير العادات.

حتى إنني أغير عادة نومي لأكتشف جمال الحياة أسهر فلا أنام لأكتشف سر الليل..وأنام مبكراً لأكتشف سر الصبح إذا تنفس..

اِعكس أية قضية وبرهن أن العكس هو الصح والصحيح فسوف تكتشف الحق من الباطل، حتى عرف بعضهم أن النظرية إذا تم إثباتها وإثبات عكسها أصبحت نظرية، وإلا فلا.

كتبت مقالا لصديق أحثه فيها على الكتابة وألا يخاف نقداً أو عتباً أو تجريحاً من أحد في حدود الأدب قلت فيه:

(فلقد أثبت التاريخ

أن الأفكار المباغتة والمفاجئة والمستنكرة من أهل العصر

 هي التي تنبت وتترعرع في المستقبل

وكما قلت لك

المهم الاخلاص لله تعالى

ومن علاماته ألا تحمل في قلبك على أحد

وأن يستوي عندك المدح والذم

وألا تنتظر من أحد إحساناً إلا من الله تعالى

وألا تخرج عن الأدب مهما استطعت

والفكر مثل الكهرباء يصعق النائمين

ويحرك وينشط الغافلين 

ويضيء للمفكرين

فاستمر في العطاء ولا تتردد في شيء

واقذف إلي فكرك وأفكارك

فأنا من المحبين الخروج على المالوف

وفقني الله وإياكم)

فأعلمني أن ابنته -وهو وهي يعيشان في كندا- كتبت العبارة وسوف تقولها في مدرستها، فسررت أنه على تواصل مع أولاده، وأن ابنته لها قدرة على التمييز بين الغث والسمين، وأنها ستنطلق في فضاء مدرستها، معبرة عن الكنز الذي اكتشفته في تفجير طاقتها.

تعلمت هذا من تأليف كتابي (منهج التربية النبوية للطفل)، واستخدمته مع أولادي محاوراً ومستمتعاً، حتى إذا كبروا قلت لهم: (الآن أضيف عقولكم إلى عقلي)، شاركتهم في طفولتهم في مشاهدة أفلام الكرتون، وشاركتهم في كبرهم في مشاهدة اي مسلسل، وذلك للحوار معهم، ولأعرف المدخلات التي تدخل إليهم، وتعلمت من كتابي: إن لصاحب الحق مقالاً، وإن أحسن الآباء خيرهم قضاء بين الأبناء ومن أنفسهم، فكنت أعدل بينهم في العطاء ووجنة القبلة يمنة أو يسرة فأبتدئ باتجاه واحد:

ففي صحيح البخاري-كتاب الوكالة- باب الوكالة في قضاء الديون- حديث:‏2204‏:  عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه ، فأغلظ فهم به أصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” دعوه ، فإن لصاحب الحق مقالا ” ، ثم قال : ” أعطوه سنا مثل سنه ” ، قالوا : يا رسول الله ، إلا أمثل من سنه ، فقال : ” أعطوه ، فإن من خيركم أحسنكم قضاء “

وتعلمت من صبره صلى الله عليه وسلم على أصنام المشركين أكثر من عشرين عاماً من الجهاد في مكة والمدينة حتى جاء فتح مكة الكرمة فأزال التماثيل التي كان يراها والتي ليس لها قدسية لدى رائيها، والأصنام التي اتخذها ناس واسطة إلى الله، والأوثان التي كانت تعبد من دون الله عند فريق آخر :

ففي صحيح البخاري  – كتاب المظالم والغصب- باب : هل تكسر الدنان التي فيها الخمر  – حديث:‏2366‏: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصباً، فجعل يطعنها بعود في يده ، وجعل يقول : ” جاء الحق ، وزهق الباطل “ الآية.

وتعلمت من اختلاف الصحابة رضوان الله في فهممهم لقوله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة) قبول الرأي الآخر، وأن الاجتهاد في الرأي محمود إذا كان النص يحتمله.

وتعلمت من سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قوله للغلام عبد الله بن عباس رضي الله عنهم: ” ” يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك “:

ففي صحيح البخاري  – كتاب تفسير القرآن- سورة البقرة –  باب قوله : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل- حديث:‏4273‏

 عن عبيد بن عمير ، قال : قال عمر رضي الله عنه ، يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت : أيود أحدكم أن تكون له جنة ؟ قالوا : الله أعلم ، فغضب عمر فقال : ” قولوا نعلم أو لا نعلم ” ، فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، قال عمر : ” يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك ” ، قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل ، قال عمر : ” أي عمل ؟ ” قال ابن عباس : لعمل ، قال عمر : ” لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل ، ثم بعث الله له الشيطان ، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله “.

وتعلمت من سيرة أمير المؤمنين سيدنا عمر رضي الله عنه أنه يضع في مجلسه الاستشاري في شؤون الحكم الصبيان ويستشيرهم في الأمور المهمة التي تتعرض لها البلاد لاتقادة ذهنهم وحدة فكرهم، ونضارة آرائهم، وصفاء نفوسهم، وحسن إخلاصهم لله تعالى، مما لم يفعله حتى تاريخه أحد من بعده على الإطلاق.

وتعلمت من قراءة أدلة اختلاف الفقهاء الشيء الكثير في حرية الرأي وصحة الاختلاف، وأن الإسلام فيه مرونة كبيرة في التفكير وهو سبب استمراريته في البقاء وصلاحيته للزمان والمكان، لإطلاقه العنان في دعوته للعقل البشري للتأمل والتدبر والتفكر في النصوص وفي الكون والحياة، وان الإمام وهو رئيس الدولة أو الرئيس التنفيذي لأية مجموعة؛ له حرية الاختيار في تبني أحد الآراء التي سمعها من أعضائه، وأن الشورى ملزمة أحياناً، وغير ملزمة أحياناً أخرى لقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران، فقوله تعالى (فإذا عزمتَ) ولم يقل (فإذا عزمتم)، وإنما عليه الشورى وتبادل الرأي لسماعها ومناقشتها، وليس لتفرض الأكثرية عليه الرأي وبالتالي فقد شعوره بالمسؤولية، وخضع لربما لتكتلات غير مرضية.

خطورة القتل التربوي الخفي:

وإنني أفسر الحديث النبوي ” أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك “ تفسيراً جديداً، وهو القتل التربوي الخفي وأنبه على خطورته وهو: أن تقتل ولدك تربوياً مخافة أن يشاركك الرأي والحجة والبيان، ففي كثير من الآباء كانوا سبباً في حربهم النفسية لأولادهم مما أفقدوهم عقولهم من شدة ضربهم لهم، وشدة الرعب الذي أدخلوه في قلوبهم:

ففي صحيح مسلم  – كتاب الإيمان- باب كون الشرك أقبح الذنوب  – حديث:‏150‏: عن عمرو بن شرحبيل ، قال : قال عبد الله ، قال رجل : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : ” أن تدعو لله ندا وهو خلقك ” قال : ثم أي ؟ قال : ” أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك “ قال : ثم أي ؟ قال : ” أن تزاني حليلة جارك ” فأنزل الله عز وجل تصديقها : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً”.

عصر الشابكة (النت) حرر الأبناء والشعوب:

وجاء عصر الاتصالات ليصبح العالم قرية فضائية صغيرة، تتواصل فيه جميع البشرية بكل أفكارها وآرائها، وبكل جمالها وقبحها، وحقها وباطلها، وحريتها وطغيانها، فكانت سبباً لزوال دول وأسر وأبناء، وسبباً لتواصل دول وأسر وأبناء، تفعل فعلا عجيباً في الحرية شبه المطلقة لكي تكون الشابكة حجة على الإنسان أمام الله تعالى، وحتى لا يبقى للانسان أية حجة في عدم اختياره الحق وسلوكه ونصرته.

وأصبح دور الآباء أدق وأخطر أمام الشابكة، ولم يعد هناك أي ممنوع أمام الولد، بل وحتى الطفل، ولهذا ازدادت أهمية الثقة التربوية بين الآباء والأبناء، وأصبح دور الاباء هو بمقدار قدرتهم على إعطاء المصل التربوي، وتركيز الثوابت والمتغير في العقيدة والفكر والسلوك.

وذهبت السلطة الطاغوتية من الاباء والحكام، ولم يعد لهما مكان في القيادة، ولهذا كأن البشرية عادت من جديد وانبعثت من جديد في قدرتها على اختيار الصالح، واصبحت هناك معركة بين الحق والشر، وبين الخير والشر، وبين أصحاب الفيروس ومضاد (الأنتي) فيروس.

ولهذا اصبح المنهج التربوي النبوي مرشحاً للصدارة في التعامل والتربية الصحيحة لمن أراد أن يذكر أو أحب أبناءه ليكونوا قادة المستقبل وهم أطفال الآن وقادته.

وفي النهاية من عاش حراً أورث الحرية لغيره.

4 تعليقات على “الإبداع في الحرية، والحرية في الإبداع

  1. الحرية تمارس من احترام الذات وليس من عطاء الولاة وليكون الانسان حرا يجب ان يكون عبدا لله فقط وليس لاي شي اخر ابدا لا لمال ولا لجاه ولا لسمعه ولا لعمل مهما كان هكذا كان الصحابه رضوان الله عليهم وهكذا كان المسلمون الاوائل اما الحر في عصرنا فهو من امراقب الله في ننفسه فلم يؤسر بوظيفة او بحزب

  2. الحرية تمارس من الذات وليس لها اذن او موافقه رسمية
    وحدودها معروفه ليس لها ارتباط سوى بشرع الله والخوف من تجاوز حدود الله جل وعلى
    ومن المؤسف ان البعض يخلط بين الحريه والعدالة

  3. جزيت اجمل مافي الجنه الموضوع هام ويخص كل واحد فينا وسنسال بين يدي الله كلكم راع زادك الله علما ومتعك بوافر الصحه والعافيه دمت بخير

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.